X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
اخبار محلية
اضف تعقيب
28/08/2020 - 02:31:14 pm
ايمن عودة يتحدث لـصحيفة الاتحاد: عن ازمة الحكومة والمشتركة

ايمن عودة يتحدث لـ"الاتحاد": عن ازمة الحكومة والمشتركة

والتطبيع ورأس المال لماركس

*حاوره:حسن مصاروة

الاتحاد: البارحة قبل منتصف الليل، مدد نتنياهو وغانتس عمر الحكومة المتاهفتة بعد تجاذب وصراع كان سيقود لانتخابات جديدة، بين حسابات نتنياهو الشخصيّة والاعيبه السياسية وصراع غانتس من اجل البقاء، والصراع داخل الحكومة بين نتنياهو وكحول لفان وضغط يائير لابيد من الخارج لتصوير نفسه كمنافس محتمل لنتنياهو، ونفتالي بينيت وحزبه الفاشي يبني على فشل الحكومة وفشل نتنياهو في تطبيق الضم وسحب أصوات اليمين الاستيطاني ويرتفع بالاستطلاعات، والأحزاب الحريدية تستغل حتى هذه الازمة لنهب ميزانيات لجمهورها. في الظاهر اذًا، يبدو أن بهذه الامور وعلى أساس هؤلاء الفاعلين، يتحدد شكل السياسة في اسرائيل. أين القائمة المشتركة، بمقاعدها الـ15، في خضم هذه "الحرب". ما هو موقفها، موقعها، شكل ومدى تأثيرها في ظل هذه الخارطة السياسة على الحلبة السياسية في اسرائيل؟

ايمن عودة: السبب الجوهري لعدم استقرار الحكومات في إسرائيل هو سبب سياسي اقتصادي بجوهره، لأن عدم الاستقرار السياسي نابع من طروحات تغتصب الواقع فيرتدّ الواقع عليها، والواقع هو أنه يوجد شعبان بهذا الوطن بينما الحكومات ترى شعبًا واحدًا، أقصد شعبًا واحدًا على مستوى الشعار ولكنها ترى أغنياءه على المستوى الممارَس. فهو صراع بين الواقع والقوى القومية أو الطبقية التي تناضل من أجل حقوقها وبين الطروحات الأيدلوجية المنافية لهذا الواقع.

القائمة المشتركة، وإن طال المدى، فهي تطرح البديل الجوهراني للمجتمع في إسرائيل. هو الطرح الديمقراطي الصميمي الوحيد الذي يقدّم بديلًا أمام الشعبين بقضايا السلام والديمقراطية والمساواة والعدل الاجتماعي.

لا شكّ أن السنة الأخيرة أحدثت قفزة هامة بالوعي العام، وحصول القائمة المشتركة على 15 مقعدًا، فهو تعبير بامتياز عن الوحدة الوطنية لأبناء شعبنا وقوى ديمقراطية. وإصرار المشتركة على مخاطبة كل المواطنين في إسرائيل، إلى جانب حقيقة انهيار "اليسار الصهيوني"، فكلّ هذا جعل من القائمة المشتركة عنوانًا مركزيًا أمام شرائح واسعة.

صحيح أننا بالانتخابات الأخيرة لم ننجح بإسقاط نتنياهو ومعسكره اليميني، خاصة مع تواطؤ وانهيار بيني جانتس ومعسكره، ولكن بسببنا، وفقط بسببنا نحن، نتنياهو لم يحصل على ٦١ مقعدًا! ينقصه مقعدان وتجدهما بارتفاع المشتركة من ١٣ مقعدًا إلى ١٥. أي أن تأثيرنا كبيرٌ جدًّا بمنع اليمين من إحكام القبضة وتأثيرنا بالغ بعرقلة مخططاته مثل الضمّ وصفقة القرن.

الاتحاد: هذا الأسبوع سرت على الأقدام مع الامهات الثكالى 180 كم من حيفا الى القدس في شكل احتجاجي على وصول الجريمة في المجتمع العربي الى مراحل كارثية ومُدمّرة.. ما هي القيمة التراكمية لهذه الخطوة على مستوى النضال ضد العنف والجريمة؟ وما هي الرسالة التي تحملها؟ وهل تأتي في ظل برنامج نضالي شعبي سياسي للقائمة المشتركة وللقيادة السياسية للجماهير العربية من أجل مواجهة هذه الظاهرة؟ 

ايمن عودة: هي مبادرة من الأم الثاكل منى خليل ابنة مدينتي حيفا. هي بادرت واتصلت بي باكية ولكن مصرّة على حقّها. زرتها وكان الاقتراح أن تكون مسيرة على الأقدام من بيتها في حي الحليصة الحيفاوي حتى القدس. بالبداية لم أتأكد من مدى الإصرار فذهبت إلى بيتها مرّتين مستفسرًا عن مدى استعدادها. كانت مصرّة بشكل مطلق. وجدت من الضرورة أن أدعمها. بطبيعة الحال فأوّل ما قمت به هو إبلاغ الهيئات الجبهوية واتخاذ قرار بالتقدّم. دعوْنا من يستطيع المرافقة فرافقنا ثلاثون شخصًا طيلة الطريق ١٨٠ كيلو متر دون أي انقطاع ومنهم أربع أمهات ثكالى، وكان المئات ينضمون جزئيًا ومنهم الكثير من رفاق ورفيقات الحزب والجبهة.

الخطوة عبارة عن صرخة على المستوى الشخصي: "قاتل إبني لا يجب أن يبقى حرًا!" ولكنها صرخة جماعية نظرًا لوصول حالات القتل إلى ٩٥ حالة بالسنة الماضية ووضع مأساوي مشابه طيلة السنوات الأخيرة.

أردنا من المسيرة أيضًا إعادة موضوع مناهضة العنف والجريمة إلى مكانه الطبيعي على رأس سلّم أولوياتنا. 

الطبيعي أن نضع الاحتلال والتمييز وانتهاك حقوق العمال برأس الأولويات، وهي تبقى كذلك، ولكن أحيانًا كأي جسم يُصاب بداء عارض فتتراكض البكتيريا لمعالجته كي يعود للتفرّع كليا لمهماته الأساسية، طبعًا دون الفصل الميكانيكي لأن للاحتلال والعنصرية دورًا حاسمًا بكل حالة الجرائم داخل مجتمعنا وتواطؤ الحكومة.

نحن من هنا سنعمل على تأطير العائلات الثكلى، كي تكون قوة أخلاقية دافعة للنضال ضد الجريمة. وبالنسبة لحالة أم خليل (منى خليل) وأم شوكت (وطفة جبالي) فنحن بانتظار أجوبة عينية من رئيس الدولة.

 

الاتحاد: على مدى الأسابيع الاخيرة كانت هناك مظاهرات حاشدة امام مقر نتنياهو في القدس، بالاضافة الى حراك اجتماعي واسع في اسرائيل على عدة مستويات في ظل ازمة كورونا وفشل الحكومة في التعامل مع الازمة الصحية والاقتصادية، واختلط في هذه المظاهرات، السياسي المناهض لنتنياهو والاجتماعي المناهض لاداء حكومته الاقتصادي- انت شاركت ودعوت الجماهير العربية للمشاركة، لكن يبدو بالنسبة لهذه الجماهير العربية في غالبها وهي الاكثر تضررًا سياسيًا من نتنياهو وتحريضه الفاشي والأكثر تضررًا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية من ازمة حكومته، هذا الحراك يحصل بعيدًا عنها وتأخذ موقف المتفرج.. ما هو سبب ذلك؟ ولماذا من المهم أن تشارك؟ وبأي طريقة وعلى اي مدى يمكنها ان تشارك وتؤثر في هذا الحراك؟

عودة: نحن الأكثر تضررًا من السياسة الاقتصادية، ومن رؤية نتنياهو النيوليبرالية وستزداد ضدنا بحدّة بظلّ جائحة الكورونا، كما أننا أول المتضريين من تقليص الهامش الديمقراطي نتيجة للعنصرية وسياسة التمييز القومي، كما أننا أصحاب مصلحة وطنية عُليا بإضعاف نتنياهو حتى إسقاطه هو ومعسكره. لهذا الأسباب علينا أن نشارك.

وعلينا أن نشارك لكي نفرض شرعيتنا ومكانتنا وحضورنا وأيضًا أيدلوجيتنا. يجب أن نفرّق بين موقف شعبنا مع هذه المظاهرات وبين موقف المعارضين أيديولوجيًا للمشاركة.

المعارضون يقولون إنها مظاهرة تخصّ اليهود! أو أنها تخصّ معسكر المركز و"اليسار الصهيوني" ولكننا نحن نقول هل معقول أن إضعاف نتنياهو ومعسكره حتى سقوطهما، وبما يمثّلانه من تعميق احتلال و"صفقة قرن" وعنصرية ونيوليبرالية، هل هي مسألة تخصّ اليهود أو "اليسار الصهيوني" فقط؟!

هناك من يقول إنها مظاهرة أحادية القومية! ونحن نقول: لنذهب بقوة ونفرض أن تكون ثنائية القومية.

هناك من يقول إن جزءًا من شعاراتها لا تلائمنا. نقول: لنذهب بشعاراتنا التي قد لا تلائم جزءًا من المتظاهرين. ولنخطب بالمتظاهرين بأيدلوجيتنا وقناعاتنا، ولنساهم بتغييريْن، وهما إضعاف حتى اسقاط نتنياهو ومعسكره، وأيضًا توسيع الشراكة العربية اليهودية وفق أيدلوجيتنا.

لا يمكن أن تجلس جانبيًا أو أن تتحرك فقط على المستوى القومي وتنتظر التغيير ضمن شرائح من الأغلبية. يجب أن تذهب بقوة وثقة أهل البلاد الأصليين وأصحاب المبادئ الراسخة من أجل أن تفعل وتؤثّر لا أن تنطوي على نفسك. والحقيقة إنني أعجب كيف يطرح هذه القضايا من يخوض انتخابات الكنيست ويخطب تحت العلم الاسرائيلي وصورة هرتسل ويلتقي يوميًّا مع خصوم وأعداء إيديولوجيين، وأحيانًا يتحالف معهم لتمرير قانون أو قرار. كنت لأتفهّم مقاطعي الكنيست، وإن كنت لا أوافقهم، ولكننا لا أفهم من يقاطع النضال ضد نتنياهو ولكنه يشارك ويتفاعل مع العمل البرلماني.

بالنسبة للشعب فالأمر مركّب. فمثلًا مظاهرات العاملات الاجتماعيات والممرضات شهدت مشاركة واسعة من النساء العربيات، ونجحن بإحقاق جزء هام من مطالبهنّ. وطبعًا هنا لا أحد ينصح العربيات أن يناضلن لوحدهن ويبنين جدارًا بينهن وبين زميلاتهنّ اليهوديات، لأن المصلحة عينية وواضحة، ولكن يجرى التنظير حول السياسة العامة، رغم أن السياسة العامة هي مصدر الاحتلال والعنصرية!

طبعًا البُعد الجغرافي يؤثر، لذا نرى أن جزءًا من المواطنين العرب يشاركون سواء بسواء مع اليهود الديمقراطيين بمظاهرات الجسور الأسبوعية لأنها أقرب لهم جغرافيا.

لا يمكننا أن ننكر أن هنالك إحباطًا ما بعد انهيار جانتس وتداعيه بمواجهة نتنياهو بعد أن أوصينا عليه. هذه مشاعر مفهومة، ولكن هنا يأتي دورنا الذي مارسناه تاريخيًا برفع الهمم وتجديد النضال:

يدعون عنتر والرماح كأنها

أشطان بئر في لبان الأدهم

الاتحاد: في الأسابيع الأخيرة، حدثت ازمة داخل القائمة المشتركة بسبب قضايا اجتماعية، وهذا كان واضحًا للجمهور. ويعيد تذكيرنا بأن هذا التحالف يجمع مركبات بينها فروقات كبيرة على المستوى الفكري والأيديولوجي، وهناك من يقول ان هذا يكشف عن ازمة فكرة "الوحدة" التي قامت على اساسها القائمة المشتركة. ماذا سيكون اثر هذه الازمة الاخيرة على القائمة ووحدتها، وما هي الاستراتيجية لادارة الخلافات داخل القائمة؟ وهل ستؤثر هذه الخلافات على خوض الانتخابات القادمة بشكل موحد وبنفس التركيبة؟

عودة: القائمة المشتركة هي عنوان المرحلة، سنبقى موحدين وسنخوض الانتخابات المشتركة بالقائمة المشتركة مع مركباتها الأربع.

القائمة المشتركة ليست قائمة انصهارية. وانما بين مختلفين أيديولوجيًا ولكنهم يعون ضرورة الوحدة خاصة بعد أن أصبحنا أقلية في خطر، وضرورة الوحدة لاستثمار قوتنا من أجل السلام، المساواة، الديمقراطية والعدل الاجتماعي. وأحد قيَم القائمة المشتركة حول تحول خلافاتنا أو للدقة جزء كبير من خلافاتنا من حالة تناحريّة إلى حالة حواريّة.

نحن في الجبهة اتخذنا بالأغلبية موقفًا ضد هذا التحويل القسري الذي يجمع علماء النفس والسيكولوجيون أنه غير مجدٍ ولا يُبقي غير الأذى النفسي، ويُمارَس بأساليب شعوذة مستقاة من القرون الوسطى. 

قوتنا كأقلية قومية نُكبت وما زالت تعاني الغُبن، تكمن في العدالة والموقف الأخلاقي، لسنا نحن من يوافق على الإساءة إلى أي شخص. ورغم الحملة المضادّة والمشوّهة تعمّدنا أن نخرج بكل وسائل الإعلام وندافع عن موقفنا بقوّة. ولكن هذا ليس الخلاف الجوهري داخل المشتركة وإنما هو بالأساس على توجهنا الكفاحي بمواجهة حكومة اليمين وعدم مهادنتها وإنما وضع كل استراتيجية لإسقاطها، وأعتزّ برؤية الجبهة الواضحة جدًا والمنهجية جدًا، أعتزّ بسائر الزملاء بالمشتركة الذين نجري معهم حوارًا مسؤولا ونتفق بمعظم القضايا.

الاتحاد: خرج علينا نتنياهو قبل ايام بخبر توقيعه اتفاق رسمي مع دولة الامارات العربية، وخرجت تلك العلاقة السرية الى العلنية الواضحة والرسمية. ويأتي ذلك ضمن هرولة دول خليجية وعربية للتطبيع مع اسرائيل ومع بنيامين نتنياهو بالذات. وهذا في ظل مساعي دفن القضية الفلسطينية نهائيًا. ماذا يعني ذلك بالنسبة لأُفق حل القضية الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر؟ وما هو اثر هذه المرحلة على الجماهير العربية داخل اسرائيل وما هو الدور الذي يجب ان نقوم به للتصدي لهذه المساعي وهذا المشروع؟

عودة: كل سلام وتطبيع منفرد قبل إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني هو إضعاف متعمّد وبالغ الأثر لقضية فلسطين.

أنظر إلى السلام بين اسرائيل ومصر والأردن، هو ليس سلامًا بين الشعوب أبدًا. لهذا تبقى قضية فلسطين هي الأساس وفقط بإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني يتحقق سلام الشعوب بحقّ الشعوب.

ولكن هذا لا يعني أبدًا أنّ ما حدث لا يشكل قوة إضافية للمؤسسة الإسرائيلية وإضعافًا بالغًا لقضية فلسطين، خاصة لمكانة الامارات الاقتصادية، ولتحالفها الاستراتيجي مع عدة دول خليجية أبرزها السعودية، وبطبيعة الحال فهذا التطبيع هو بتنسيق كامل مع السعودية وغيرها.

كما أنّ الظرف، خاصة التوقيت، هو قرار امريكي اسرائيلي، فترامب ونتنياهو المأزومان هما من اختار التوقيت، الأول قبيْل انتخابات وضعه صعب بها، والثاني مأزوم بعد فشله من حسم الانتخابات طيلة سنة كاملة، ومواصلة المظاهرات العنيدة وتلاحقه المحاكم، فيأتي "الفرج العربي" على توقيت نتنياهو. كما أنه انتصار مرحلي لفكر نتنياهو الذي وضعه جابوتنسكي بمقالته الشهيرة "على حائط الفولاذ" حيث يعتبر أن العرب لن يسلّموا بسهولة إلا بعد أن يوقنوا قوة اسرائيلية العسكرية "غير القابلة للهزيمة" وأن مركز الصراع ليس الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وانما الاعتراف بحقوق الشعب اليهودي وفق رؤية التيار التنقيحي بالحركة الصهيونية.

أما السياق الاستراتيجي لما يتجاوز سلام الدولتين والتطبيع فهو وجود "عدو مشترك" ونحن منذ سنين طويلة نحلّل من على كلّ منصة بأن نظام الخليج لا يتحالف فقط مع اسرائيل وانما مع اليمين ونتنياهو تحديدًا! وعزونا ذلك إلى التحليل بأنّ من يعتبر إيران، وليس فلسطين، هي القضية المركزية فهو يريد نتنياهو رئيسًا لحكومة إسرائيل! أي يريد نجاح أعدى أعداء الشعب الفلسطيني.

المطلوب فلسطينيًا إعادة المكانة الأخلاقية العظيمة لقضية الشعب الفلسطينية بوجدان أحرار العالم وأحرار العرب والشعب الاماراتي الأصيل، عبر إعادة الاعتبار للنضال الشعبي الفلسطيني. أما هنا داخل إسرائيل فأنا أحذّر من المال الإماراتي والعمل على احتواء واعادة ترتيب الاولويات وفق الأجندة الاماراتية. فتأثير مصر والأردن كان محدودًا يبدو لقرار منهما وأيضًا لتواضع الأمكانيات المالية. أما بحالة الإمارات فالوضع يختلف جذريًا، وهذا الأمر من شأنه تغيير أجندات على المستوى السياسي وحتى التفاعل مع اليمين الإسرائيلي! 

لنا كنز داخل جماهيرنا وهو الحزب الشيوعي والجبهة اللذان لم يرتهنا يومًا لأجندة رجعية عربية ويبقيان حصنًا بمواجهتها.

الاتحاد: بعد مظاهرة الخامس من حزيران التي اقامها الحزب والجبهة في تل ابيب ضد الاحتلال والضم، كتبت ثلاثة مقالات في "الاتحاد" تتكلم فيها عن تطوير استراتيجيات النضال العربي اليهودي، وعن بناء جبهة شعبية ميدانية فضفافة عربية يهودية مناهضة للفاشية؟ ما هي اسباب واهداف هذه الدعوة الآن بالذات وما هو اساس هذا المشروع واستراتيجية صنعه فعلًا؟ واين يقف وما هي طبيعة مركباته؟

عودة: هذا طرح تاريخي جوهري للحزب الشيوعي، وهو توسيع الشراكة العربية اليهودية على أُسس السلام والمساواة والديمقراطية والعدل الاجتماعي، وقد تمثّل بالسبعينيات بإقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. ولكن علينا أن نعترف بحقيقتين:

١. أن نضوج الجماهير قبيْل تأسيس الجبهة (1977) كان لدى الجماهير العربية، وقد ساهم انتصار جبهة الناصرة وصناعة يوم الأرض برفع جاهزية شرائح واسعة جدًا لدى الجماهير العربية. وإن أريد للجبهة أن تكون واسعة بالشارعين اليهودي والعربي، إلا أن النضوج كان بالأساس بالشارع العربي. أقول بالأساس، لا الحصر، لأنني لا أقلّل أبدًا من نجاحات محدودة لكن هامة داخل المجتمع الإسرائيلي اليهودي.

٢. الحقيقة الثانية أن الجبهة اليوم هي ليست تطبيقًا لهدف القيادة التاريخية ببناء جبهة عريضة بين مختلفين، وإنما هي أقرب لحالة الحزب الشيوعي وأصدقائه كما كانت قبل تأسيس الجبهة، ولكنها اليوم تحت سقف الجبهة.

المنطلق أن من أراد تحقيق الأهداف الكبرى فلا يمكن تحقيقه ذلك أبدًا دون شراكة بين المواطنين العرب واليهود الديمقراطيين. وكلنا نرى ونشعر أن السنة الأخيرة حملت تغييرات تراكمية هامة جدًا حول الشراكة العربية اليهودية، وهي:

١. بعد ثلاثة انتخابات دون حسم، أصبحت هناك قناعة لدى شرائح يهودية واسعة جدًا أنه لا يمكن تغيير اليمين بدون المواطنين العرب. وهم يعرفون أن هذا الاستنتاج يُفضي إلى استنتاج إضافي وهو أنه من أجل تحقيق ذلك فيجب أن نكون أولًا شرعيين بالعمل السياسي، وثانيًا شراكتنا تقتضي دفع القضايا السياسية التي نناضل من أجلها.

٢. صوّت للقائمة المشتركة نحو ٢٠ ألف صوت يهودي. وهذا عدد غير مسبوق. كما أنني باتصال مع مختص الاستطلاعات السيد كميل فوكس الذي يخبرني أن هناك مقعدًا ونصفًا ثابتين من اليهود يقولون إنهم بالمرة القادمة سيصوتون للمشتركة.

٣. إنهيار "اليسار الصهيوني" وهناك مئات الآلاف يبحثون عن بيت. طبيعي أننا لا نستطيع تأطير مئات الآلاف، ولكن لا شكّ أننا نستطيع محاورة عشرات الآلاف وإيجاد صيغ معها.

٤. لا شك أن مواقف القائمة المشتركة التي تصرّ بمنهجية ورؤيا على مخاطبة الشارع الاسرائيلي اليهودي وعلى كوننا شرعيين بامتياز ومصرّين على التأثير على مجمل العمل السياسي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى صمود وحدة القائمة المشتركة وخطها الحاد ضد نتنياهو مقابل انهيار "كحول لافان" وحزب العمل، ووهْن ميرتس.. كلها أبعاد تستدعي احترام الأوساط التقدمية اليهودية بتعاملها مع القائمة المشتركة.

هذا التحليل ينعكس ليس فقط بالاستطلاعات وإنما بالحياة اليومية، فيكاد لا يمضي يوم واحد دون أن أعقد لقاءات مباشرة أو عبر الزوم مع مجموعات يهودية هي تبادر وتطلب مني ذلك، ويطلبون بإصرار أن نجد مشروعًا عربيا يهوديًا مشتركًا.

دون أن أنتقص مما ذكرته أعلاه فالتجارب علّمتنا أن كثيرا من هؤلاء يكونون متحمّسين ولكنّهم لا يصمدون بامتحان الواقع الصعب أو تجرفهم موجات مختلفة. ومع ذلك فواضح للجميع أن هناك استعدادا غير مسبوق. ولهذا فنحن في هيئات الحزب والجبهة نناقش بمثابرة هذه القضايا، وآمل أن تُفضي القرارات إلى استثمار هذه الجاهزية الأولية لتوسيع الشراكة العربية اليهودية، وهي الطريق الوحيد لإحداث التغييرات الجذرية لصالح قضايانا السياسية الكبرى.

الاتحاد: خلال الموجة الاولى لجائحة كورونا والتعليمات الصارمة للبقاء في البيت، نصحت خلال رسالة مصورة على الفيسبوك الجمهور العربي باستغلال الوقت للقراءة وقمت باعطاء توصيات لكتب مختلفة لمكتبتك؟ هل وجدت وقتًا للقراءة خلال الأشهر الأخيرة، وما هو آخر حصادك على مستوى القراءات الادبية أو القراءات الفكرية النظرية؟

عودة: نعم، عدة كتب في مجال واحد وهو الماركسية، خاصة كتاب رأس المال. ولهذا الأمر قصّة. 

دائمًا تهيّبت من قراءة رأس المال لكارل ماركس. وأعتقد أن أحد الأسباب العميقة لذلك هي أنني قرأت لإميل حبيبي أنه لم يقرأ رأس المال! وأذكر أنه قال أيضًا أنه لم يقرأ الحرب والسلم لتولستوي ولم يقرأ أكثر من ١٥ سطرًا لجبرا ابراهيم جبرا، لأنه اعتبرها كتابات جافّة، وهو لا يحبّ هذا الصنف من الكتابة! أذكر أنني قرأت هذا الكلام بمقابلة لحبيبي في فصلية مشارف، أعتقد أنها المقابلة الأخيرة له تحت عنوان "أنا مانعة الصواعق الفلسطيني". أكتب هذا رغم أن حبيبي قال بلقاء لمجلة الكرمل بداية الثمانيات أن ماركس أثّر عليه أدبيًا، وأعتقد أنه هنا صادقٌ، خاصة بما يتعلّق بكتابات ماركس الباريسية حيثّ الحدّة والهزء واستحضار أدبيات عالمية وشعر مكثّف.

لأنني شغوف بإميل حبيبي قلت لنفسي: إذا كان المفكّر الألمعي والأديب الأريب إميل حبيبي لم يقرأ رأس المال فأنا لن أستطيع. الاعتراف الصادق والجميل لإميل حبيبي سبّب لديّ عقدة. ساهم بهذه العُقدة أنني قرأت مذكرات لمن قرأ رأس المال، ففي كتاب جذور من الشجرة دائمة الخضرة يقول رفيقنا عيسى حبيب أنه قرأت الكتاب تدريجيًا ضمن دورة مع مجموعة رفاق، ويقول جورج طوبي إنه كان يسترق السمع للدراسة في بيتهم بقيادة توفيق طوبي ولم يفهم إلا لماما، ومع ذلك فدائمًا كنت أشعر بالنقص لعدم قراءة هذا الكتاب المؤسّس، حتى أنه مع قراءاتي كنت أشعر كمن يبني بنيانًا ولكن هناك فجوة ضخمة بالأساسات، كمن يقرأ الداروينية دون قراءة "أصل الأنواع" رغم تفنيد أجزاء واسعة منه، أو قراءة علم النفس لميلاني كلاين أو دونالد وينيكوت دون قراءة فرويد رغم أن العلم تجاوزه ونقضه بالكثير من الأطروحات، وهذا بخلاف ماركس الذي بقي جوهر طرحه صحيحًا بامتياز، والبورجوازية تتذكر دماميله دائمًا كما تمنّى برسائله لرفيقه أنجلز.

حُلّت عقدتي قبل نحو سنة حين أعدت قراءة الرسائل بين شاعريْنا الكبيرين محمود درويش وسميح القاسم. ففي رسالة كتبها محمود لسميح تحت عنوان "لا توبّخ حنيني" جاء فيها: وفِي موسكو، حيث كان إميل توما يراجع أطروحته عن الوحدة العربية ويبحث عن أفق، وحيث كنت أدرس "رأس المال" صفحة صفحة بافتتان.

الآن أُعيد عليك حرفيًا عن ظهر قلب هذه الفقرة وذلك من فرط مراجعتي لها، خاصة الجملة الأخيرة: كنت أدرس "رأس المال" صفحة صفحة بافتتان".

جملة محمود درويش شجّعتني بشكل حاسم بعد أن كبّلني المعلّم الكبير إميل حبيبي ببوحه الذي لا يصدر إلا من كبير واثق مثله.

عندما أُقرّت الانتخابات الأخيرة سافرت سريعًا إلى عمان كي التقي د. هشام غصيب وهو أكثر عربيّ ماركسيّ أقنعني أنني أستطيع الاعتماد عليه بدراسة رأس المال. فاتفقنا أنه بعد الانتخابات أمكث أسبوعًا كاملًا في عمان لدراسة المجلّد الأول من رأس المال على أن التقيه يوميًا للمناقشة. رحّب كثيرًا. ولكن بعد الانتخابات جاءت الكورونا فلم أستطع السفر إلى عمّان ولكنني تلقيت نصائح هامة من د. غصيب عبر الهاتف، ولكن الكورونا أفادتني كونها تشكّل محطة هامة على مستوى أزمات الرأسمالية المتكررة فهي كانت دافعًا للقراءة.

اتممت قراءة رأس المال بمجلداته الثلاثة، وقد قرأت معي بالتوازي كلّ المجلّد الأوّل رفيقتنا رهام أبو العسل رئيسة كتلة الجبهة في نعمات منطقة الناصرة، وكنا نتواصل هاتفيًا حوله لمناقشة بعض المسائل.

عودة على كلام إميل حبيبي ومحمود درويش، والإثنان رمزا ثقافتنا الأولان، فهل هناك من لم يكن صادقًا أو دقيقًا بحديثه؟ واضح أن اعتراف حبيبي هو صدق الإنسان الكبير. ولكن بعد قراءتي لرأس المال أؤكد صدق درويش أيضًا بالبُعد الأدبي، فطيلة قراءتي كنت أضع ملاحظات على الهامش بأنها لفتات أدبية مثل اقتباس الالياذة والأوذيسة أو الكوميديا الالهية أو شكسبير أو فولتير أو التوراة والعهد القديم وحتى لعبة الورق "الويست!" حتى نصوص ماركس الذاتية حول تغريب الآلة المحنطة التي تأكل الإنسان الحيّ أو شيئية وصنمية الآلة كلها تعبيرات شاعرية صارخة إلى جانب علميتها.

وقرأت مصطلحات مثل "ليس من أجل سواد عينيه" فقلت هل الأوروبيون ذوو العيون الملوّنة بالقرن التاسع عشر استعملوا هذا المصطلح أم هي ترجمة د. فالح عبد الجبار الذي يستحقّ التقدير الكبير على الترجمة الأفضل للكتاب. إلى جانب كل هذا فيبقى أساس رأس المال هو الفهم المعمّق والجدلي للرأسمالية ونقدها، والنقد نهج ماركس، والعمل على الانتصار عليها، حيث لا يمكن تحقيق العدالة من خلالها وإنما إما بتجاوزها أو نقضها. أي تبقى مقولته في نصّ سابق "الأطروحات عن فيورباخ" هي الفارقة في منهجية رأس المال: "لم يفعل الفلاسفة شيئًا سوى تفسير العالم بطرائق شتى، لكن الأهم هو تغييره". 

بعد قراءة المجلدات الثلاث قرأت "قراءة رأس المال" للوي التوسر، وقبل شهرين استلفت من رفيقنا د. جمال شريف سيرة رأس المال لفرنسيس وين وقرأته، وقررت عدم إعادته له لأنني وضعت ملاحظات داخل الصفحات، وبهذا يصبح للكتاب معنى. ولأن الرفيق جمال صديقي الذي أمون عليه.

والآن أنا بصدد الانتهاء من قراءة "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" لتوماس بيكيتي.

الحقيقة أن الكورونا وعدم وجود مناسبات اجتماعية مثل الأعراس أو الاجتماعات السياسية والحزبية بساعات المساء أتاحت لي قراءات ولست متأكدًا أن هذا الفرصة ممكن أن تعود أثناء العمل السياسي.

وهنا أهيب برفاقنا ورفيقاتنا خاصة الشباب أن إقرأوا كثيرًا وناضلوا كثيرًا لأنها حيوات ذات المعاني تُضاف إلى الحياة التقليدية.

(نقلا عن موقع الاتحاد الالكتروني)

 




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت