مرزوق الحلبي غداة صدور مُنجزه الشعريّ "في الطريق إلى الآخرة":
أثق بالشعر وصفائه ولغته وجماليّته في الدفاع عن
"فكرة المدينة الفاضلة"
*الذين لا يعرفون أدبنا ولا يُترجمونه هم الخاسرون"
*الشعر عندي فعل إبداعيّ وابن شرعيّ للثقافة والمعرفة وليس للموهبة فقط*
* وظائف الشعر تولد من سياقات الشعر والشاعر، لا أومن بشاعر ينأى بنفسه عن قضايا الراهن*
*أنا أنافس في ساحة الإبداع العالمي ولديّ ما أضيفه كابن الثقافة العربيّة المشرقيّة ـ على مبدعاتنا ومُبدعينا يتحرّروا من عُقدة الهامش*
يعود مرزوق الحلبي إلى قرّائه في العالم العربيّ من محبّي الشعر الباحثين عن الإبداع والفكر والجماليّ والمُدهش وسط صخب المنشور والمبثوث والمصوّر من خلال مؤلّفه الشعريّ الثاني الجامع بعنوان "الطريق إلى الآخرة". وهو ثمرة مشروعه الشعريّ في السنوات الخمس الأخيرة ونتاج فعل انتقاء انتهى إلى 400 صفحة في إصدار أنيق الطبعة والتصميم تزيّنه لوحة ذات دلالات تشتبك بعنوان المؤلّف، للفنان السوريّ أيمن الحلبيّ.
يتوزّع المؤلّف على ثمانية أبواب متنوّعة تشكّل عتبات عالية لنصوص متنوّعة في أسلوبها وطولها ومواضيعها ولونها الشعريّ. نصوص تقوم على التجريب وعلى بُنية متغيّرة للقصيدة في شكلها ومضمونها وتيماتها. قد تقصر أو تطول أو تقوم على الخطف أو الامتداد الملحميّ أو رسم المشاهد أو السرد. إنه شعر تجريبيّ فيه جرأة تذكّر بشعراء كسروا المألوف وابتعدوا في شعرهم وأخذوه واللغة إلى مواضع أعلى من الإبداع والمعنى.
لا يترك الشاعر موضوعًا لا يشتبك معه لإيمانه كما يقول في المقابلة أن وظائف الشعر تتوسّع وتتعدّد في زمن تداعت فيه السرديات الكبرى وانحرف المجتمع البشريّ في قواه المتنفّذة عن وصايا ومُثل المدينة الفاضلة. في هذه الحالة حسب الحلبي ـ يكون على الشعر أن يحمل الراية وينوب عن تلك المؤسّسات المجتمعية التي تداعت أو خيّبت الإنسان كالإعلام ودولة الرفاه. لا أفضل من الشعر ـ حسب الحلبي ـ أن يقود الحرب ضد الخراب والتوحّش ومُحدثيهما. في هذه المقابلة المطوّلة يستطلع موقع "ثقافات" جديد الحلبي شعرًا وفكرًا وهو الذي اختار أن يُنافس في الشعر والإبداع والفكر والثقافة في الساحة العالمية لا في "حارته" ولا في مواطن الراحة.
س. أنت كتبت في صفحتك على الفيسبوك قبل ثلاث سنوات بالحرف: "ليس للشعر "بعد"، أثق بقدرته على الدفاع عن نفسه وحضوره وعن حفظ الودّ للمجاز والاستعارة والضباب والخير والحقيقة ومُريديها"ـ إلى هذا الحدّ تثق بالشعر في هذا الزمن الذي تتداعى فيها مراسٍ أخرى بعد انهيار السرديات الكُبرى؟
- م. الحلبي: "في هذا الزمن المشحون بعدائيّة لفكرة المدينة الفاضلة المنشودة، وللإنسان النبيل وللخير المأمول وللجماليّ المقرون بالمعقول والسامي، على الشعر أن يكون كما تكون الحقيقة، عصيًّا على اندفاعة الافتراضيّ وسيول الكلام العابرة كسيول البضائع والمال من يد ليد ومن سوق إلى سوق ومن بورصة إلى أخرى. عليه ـ وهو قادر ـ أن يواجه هذا السيل من الصور المبثوثة والمضامين المزوّرة، وأن يكشف النجومية الزائفة وصناعتها وثقافة الصواريخ الناريّة والأضواء الخادعة. سيكون على الشعر أن يُقاتل هذه الكُثرة وهذه الوفرة من "الأبالسة" و"المروّجين" وأثرياء "الريع الكلامي" في الشبكات المتاجرين بالصور كما يُتاجر بعضهم بالسلاح والجثث أو بالبضائع المغشوشة على الحدود بين دولتين أو في الأحياء الفقيرة. سيكون على الشعر أن يُعيد لهذا العالم طيبته وبعض معقوليته، الشعر هنا هو الشاعر الذي يفكك ويبني، هو الذي يفتح ورشة ويشمّر عن ساعديْه ويُقاتل من أجل العدل والحقيقة والجماليّ. على الشاعر في الراهن وفي كل الثقافات أن يحلّ محلّ المؤسسات المجتمعية التي انهارت أو التي خذلت الناس مثل مؤسسات الإعلام وغيرها من مؤسّسات الدولة. يبدو لي أن في الطريق إلى الآخرة، يصير للشعر وظائف ملحّة عديدة وفي رأسها التأشير على البدائل. "
س. معناه أن الشعر عندك ورشة مفتوحة، وقد لفتني أنك تسمّي مُنجزك الثاني كما الأول، "مؤلّفًا" ـ ألا تعتقد أنك تعطي للشعر معاني أكبر مما يجسّدها؟
- م. الحلبي: "اخترت أن يكون مشروعي الشعريّ مُمتدًّا وضاربًا في الأرض واللغة والثقافة والفكر. وهذا ما يتطلّب أن أكون مع الشعر في ورشة أجرّب فيه وأنتج وأخطئ وأصيب، على أن يكون كلّ ما أفعله في هذا المضمار من شغف ومحبّة للشعر ووظائفه وغاياته التي قد تتعدّد كثيرًا في سياقات محدّدة، كما هي الآن. لأن الشعر عندي مرتبط بالفكرة المُشرقة، بالرائع المُتمنّى، وبفكرة "المدينة الفاضلة" وما يُمكن أن ينشأ من قران هذه المعاني ببعضها البعض. أرى في الشعر كل المعاني المهدّدة بالإبادة والتصفية وأقترحه لُغةً تعيش فيها هذه المعاني عيشة كريمة وتقاوم من موضع مُريح. الشعر كأي عمل إبداعي وفنّي يكتسب أبعاده ووزنه من المعاني التي يمنحها إياه الشاعر أو القارئ أو الناقد إذا وُجد. الشعر هو ما نعطيه نحن لهذه اللفظة وهذا الكيان من دلالات ووظائف وتمثيلات. أشعر بالفخر أنني من الذين يوسّعون دائرة معانيه أبعد من العقائد والإيديولوجيات والنظريات الأدبيّة المتداولة. الشعر، بالتأكيد، أعلى وأبعد. من هنا، أيضًا، أرى أن الشعر يولد من عملية تأليف تمتزج فيها المعرفة بالعذوبة والشعور بالفكرة المُشرقة، بالتاريخ والفلسفة، بمفهومي الذاتيّ للوجود والهويّة، بقراءتي لذاتي وللآخر، للسلطات التي تتحكّم بمصائرنا، لمباني القوة والمراكز المُهيمنة المُستحوذة، وهكذا. قد تبدأ القصيدة من نقطة في الكون أو في الوقت أو اللغة أو الشعور لكنها تنمو وتكبر كجزء من قصائدي الأخرى، فتكون امتدادًا لما سبقها وبوابة لما سيلحقها. الشعر فعل عقليّ بامتياز يروم الجماليّ غايته الأخيرة مهما تكن المعرفة التي يقاربها. صحيح إن الشعر قد يبدأ من موهبة لكنني أنا من الذين يوجبون وجود الثقافة والعلاقة الوثيقة والمحرّرة مع اللغة كي ينضج الشعر."
س. ما الجديد في مُنجزك الثاني وهو من 400 صفحة، ماذا سيجد مُحبو الشعر في هذا المُنجز ولم يكن في مُنجزك الأوّل "في مديح الوقت"؟
- م. الحلبي: "سيجد فيه خمس سنوات أخرى من عمري بتجاربها ومُدركاتها ومواضيعها، بفرحها وخيباتها، بالشخصيّ الحميم وبالكونيّ الواسع. خمس سنوات أخرى في تجربة الشاعر كفيلة أن تملأ كتبًا. صحيح أنني الشاعر نفسه في المؤلّفيْن، لكنني أشعر أنني بلغت مرتبة أخرى ومواضع أخرى في المؤلّف الجديد. وجدتني مثلًا، مضطرًا للخوض في الفلسفة أو في "الحكمة" فوثّقت تجاربي بمعناها خلاصات ومُدركات. وجدتني واثقًا أكثر مما كنت بالشعر وبزرقة السماء وبنفاذ الفكرة المُشرقة. وسّعت في هذا المُنجز علاقتي بالتاريخ والرموز والمعرفة عمومًا، ووصلت أماكن ومعاني وحدودًا لم أصلها من قبل. وضعتُ قدميّ على الطريق إلى الآخرة. قد يجد محبّو الشعر استحضارًا للصوفيّة وفكرتها وخوضًا صريحًا في الراهن ومحاولة للاستشراف. أمر آخر لاحظته في هذا المُنجز، وأنا أوضّبه وأختار قصائده، أنني أميل فيه للإيقاع والموسيقى أكثر مما في المؤلّف الأول. أذكر أنني قصدت ذلك في نصوص بعينها، لكني وجدت أن الإيقاع حاضر بقوّة دون أن أتعمّد. ربّما التجربة، أو هي العِشرة مع الشعر واللغة، أو أنني اقتربت من غنائية بعدما كنتُ تأمّلي النزعة فيما سبق. في هذا وذاك حرصت أن أكون أكثر ثقافة ومعرفة عمّا كنته، وحرصت أن أواصل التجريب واقتحام مناطق جديدة في الشعر واللغة. باختصار، هو نتاج لدمجي بين الشاعر وبين المثقّف المُشتبك الذي لا ييأس ولا يرفع الراية البيضاء، وإن شعر بالخيبة هنا وبالانكسار هناك. أعرف أن الشعر باق يشهد علينا ويرسم صورتنا."
س. هل أنت راض عن الصورة التي يرسمها هذا المؤلّف لك، أو عن صورتك كشاعر ومثقّف كما تقول؟
- م. الحلبي: "في اللحظة التي سأرضى فيها عن صورتي سأتوقّف عن الشعر، وعن الكتابة والفعل الثقافيّ، وعن كل شيء. أنا في ورشة ممتدّة ومفتوحة وهي التي تُنتج صوري على شكل نصوص شعريّة أو خطاب أسهم به ضمن ثقافة العالم في راهنه. أسعى كي أبلغ ما هو أعلى وأبعد دائمًا. أو ما اصطلحنا على تسميته، إلى تجاوز نصّي وذاتي كشاعر ومثقّف. أطير من الفرح عندما أكتشف فكرة لم أعرفها من قبل، أو عندما أخطّ مجازًا لم يسبقني إليه أحد. أشعر بالدهشة كطفل كلّما بلغت في أثناء الكتابة نُقطة لم أكن أتخيّل وجودها أو كلّما أطاعتني اللغة ومنحتني استعارة تبتزّ منّ ابتسامة. أسعد وأعيش ساعات من السعادة كلّما اكتشفت مفكرًا أو فيلسوفًا أو وقعت على كتاب آسر. على أيّ حال ـ شُحنة سؤالك ستكون أكبر، وكذلك الإجابة عليه إذا ما وجّهته للقرّاء. فالصورة النهائيّة للشاعر أو المثقّف هي وليدة الاشتباك بينه وبين القرّاء، بينه وبين الفضاء العام."
س. القرًاء أو الجمهور هم طرف في معادلة الكتابة أيًّا كان نوعها، شعرًا أو معرفة أو فلسفة، ما هي طبيعة علاقتك بقرّائك، بالجمهور، أي مكان يحتلّونه عندك، في مشروعك الشعريّ الثقافيّ ـ خاصة مع انتشار القول على ألسن مبدعين ومبدعات "أنني أكتب لذاتي"؟
- م. الحلبي: " لا أستخفّ بالمقولة التي أشرت إليها. صحيح، في بُعد ما من عمليّة الإبداع، أنت تُبدع نفسك ولنفسك، تُريد أن تجعلها أنبل وأسمى وأجمل، أفضل بكلّ المعاني. بيد أن الشعر كأيّ فنّ غايته الحوار مع المتلقّي أو حثّه على شيء أو استفزازه أو مواجهته بالأسئلة، على أمل أن يُغيّر علاقاته بالأشياء والظواهر والموجودات وبنفسه والآخرين، أو على الأقلّ أن يُفكّر فيها من جديد. ولأن للشعر عندي وظائف عديدة ويخوض في حقول وتجارب لا تنتهي، يهمّني كيف يقع شعري ونتاجي كلّه عند القُرّاء، أو لدى الذين ينكشفون عليه. أحيانًا، أكتب لهم كما أكتب لي وأريد أن يمرّوا ما أمرّ به أنا أثناء الكتابة والتأليف، من خلال الارتباك والحيرة والوجع والدهشة والتأمّل والبحث والاكتشاف ـ أريدهم أن يسيروا معي كلّ الطريق إلى نصّي وفكرتي التي استقرّت في النصّ. من هنا، يهمّني أن ألتقي القرّاء لا أن أبيعهم مؤلّفي. يهمني أن أوضّح أو أتواسط بينهم وبين النصوص كي أسلّمهم المفاتيح. يسرّني أن أكتشف أن كثيرين، قريبين وبعيدين عنّي، حصلوا على هذه المفاتيح بقواهم الذاتية ودخلوا النصوص بحرّية وراحة. عُقدت على شرف مؤلّفي الأول نحو عشرين أمسية موسّعة ومختصرة ـ وهو ما سيحصل هذه المرّة، أيضًا. في نهاية الأمر، أريد أن يكون معي حشد من الناس وأنا ذاهب إلى تثبيت الحقيقة في رؤوس الجبال و"تكريس" العدلِ على الأرض، وهو ما أخفقت فيه كل الشرائع والعقائد بما فيها تلك التي نشأت عن الحداثة وما بعدها."
س. لاحظت أنك في نصوص المؤلّف تجتهد في مقاربة الراهن على مستوى الكون وأفكاره والتيارات والقوى التي فيه. كيف تستطيع مقاربة مسائل بهذا الحجم في نصّ شعريّ، أو كيف تستطيع أن توطّن المسائل الكونيّة والإنسانية الشموليّة في الشعر؟
- م. الحلبي: "من طبيعة الشعر إذا وسعنا حدوده أن يتّسع لكل شيء. لكلّ هواجسنا وأفكارنا ورغباتنا وتأملّاتنا ومعارفنا ـ الشعر لُغة فوق اللغة أوسع من المُعجم بكثير لأنه يقوم على التخليق والتوليد والتجريب والمغامرة. هذه الأفعال والإمكانيات المُتاحة في الشعر تجعله أوسع حدودًا ممّا يعتقد البعض. يبقى السؤال هل فعلتُ ذلكَ مع الحرص على المكوّن الجماليّ أم أنني أهملته لصالح الفكرة؟ وهو سؤال حاضر دائمًا في عمليّة التأليف. في نهاية الأمر ـ الشاعر يقوم بوعي باعتماد خيارات شعريّة ولغوية وأسلوبيّة. يُجرّب. آمل أنني وفّقت. من حيث المبدأ، هل يستطيع الشاعر أن يُصدر مؤلّفا دون أن يخوض في حرب الإبادة على غزّة وأهلها، أو دون أن يتطرّق إلى الشرّ المُطلق الذي انزلق إليه مجتمع ما بعد الحداثة أو سيرورات العولمة بوصفها قوى هائلة تهدم في طريقها إلى الربح كلّ شيء؟ أو هل يستطيع الشاعر أن يكتفي في عالم ذاهب إلى منتهاه بوصف لقاء حميم مع حبيبته؟ هل يستطيع أن نسمّي أحدا شاعرًا دون أن يخوض في معمعان الربيع العربي وما أعقبه من ثورات مضادة وطواغيت؟ الشعر ابن سياقاته كلّها، يواجه مصيره ومصير الإنسانية على جبهات عدّة. والشاعر إمّا أن يكون جزءًا من هذا الكون على كلّ ما فيه من هموم وقضايا أو أن يكون منفصلًا كما هم حشود المنفصلين في الشبكات وما تُنتجه من وهم. أو بعبارة أخرى، إما أن يختار الشاعر الحضور في العالم ليُنافس في ساحة الأدب العالمي أو أن يختار صالون بيته أو شلّةً من زملائه المتقاعدين المتبطّلين يتبادل معهم ما يخطّونه ويذهبون إلى بيوتهم مسرورين. أنا اخترت الفضاء الكوني الرحب ولديّ ما أقوله لهذا العالم، ولا أخشى المنافسة في هذا الحيّز."
س. أعود إلى المؤلّف، أدهشتني عمليّة التبويب لجهة جماليّة عتبات الأبواب، "نعمة المجاز" و"محنة الآلهة" و "باب الغريب" و"غواية السرد" "باب الخيبة" و"درب المسرّات"، كلّ باب منها يصلح أن يكون مجموعة شعريّة منفصلة. لماذا تصرّ على هذا الشكل للإصدار، مؤلّف جامع ـ قد يُنهك القارئ أو يُربكه، فلا يعرف من أين يبدأ؟
- م. الحلبي: " أنا على العموم مع كلّ ما يُربك ويُحيّر. لكن ليس هذا القصد. لا أرتاح من إشهار المجموعات في وجوهنا كالمسدسّات. لا أستحسن التجزئة والنشر بالمفرّق، لأنه يُفقد الشاعر قدرته على مراجعة ما أبدع ونقد تجربته والتأمّل في نصوصه. النشر السريع المتتالي المتتابع هو الذي يُفقد العمل الشعريّ زخمه أو عُمقه لأن السؤال في هذه الحالة سيكون سؤال الكمّية، كميّة النصوص الصالحة لأن تشكّل مجموعة لتُنشر. أنا من مذهب آخر في النشر يقول بضرورة التأنّي كي يكون لدي متّسع كي أقرأ وأنقد وأراجع وأصحّح وأشطب وأحذف وأنتقي وأختار وأتنازل عن نصوص وأهملها ـ فأنا لا أعدّ مجموعاتي ونصوصي بل أضعها في الاختبار وأنقدها، لست في عجلة من أمري. شيء ما في الشعر ينبغي أن ينضج ويستوي. تعلّمت من تجارب غيري، من الذين ندموا على كتب أصدروها ومجموعات أطلقوها قبل أن تختمر أو يختمروا هم. المؤلّف الجديد يحتوي ما انتقيت من نصوصي في السنوات الخمس الأخيرة وليس كلّ نصوصي. أمر آخر أودّ الإشارة إليه، وهو ما يحصل للشعراء. عندما يرحلون تبدأ عملية جمع نصوصهم في "مجموعات كاملة" ـ قررت أن أعفي الذين بعدي من هذه المهمّة وأريحهم من الاشتغال بـ"مجموعتي الكاملة" ـ ها أنا قُمتُ بذلك. من أجل الشعر ومن أجلهم ومن أجل قرّائي. وهم أحرار في قراءة مؤلّفي من الباب الذي يُريدون. كل أملي أن يُدهشوا وأن تعلق في أذهانهم فكرة أو قصيدة أو بيت منها. يسرّني أن نتّفق ولا يضرّني أن نختلف".
س. لُغتك هي لُغتك، بمعنى أنها ليس بعيدة عن اللغة المتداولة، هي في العادة ميسّرة لا تعقيد فيها ولا إعجاز، لكنها تعجّ بالدلالات والصور والمعاني، كيف يتأتّى لك ذلك؟
- م. الحلبي: "اللغة منجى الشاعر أو مقتله. عشت أكثر من نصف قرن من التجريب كي أهتدي إلى لغتي هذه. لم أكن أعرف ما أريد ولم يكن لدي فكرة مُسبقة عمّا أبحث عنه في اللغة ومعها. وصلت إلى ما وصلته بالتجريب وبالتعلّم. من تجربتي أنا ومن تجارب غيري. في الأصل، نفرت من التعجيق والتزيين والتغريب والإعجاز، وتطيّرت من الفذلكات أو التذاكي اللغويَ، نفرت من الاستعلاء على غيري بمعرفتي اللغويّة، نفرت من التباهي بما أحفظه ومن تقديس اللغة. وربّما هذه المنطلقات أوصلتني إلى لغتي. كنتُ أعرف أن عليّ إنتاج لغتي بممارسة فعل لغويّ حرّ يعتبر اللغة كيانًا حيًا يحتاج إلى عناية كي يواكب الزمن ويسبقه ـ هكذا تعلّمت من أدباء ومبدعين عاشرتهم أو قرأت لهم. كان إميل حبيبي مثلًا، وقد عملت معه نحو ست سنوات كاملة في جريدة "الاتحاد" الحيفاويّة، يحثّني على الاعتناء بلغتي كي تصير أنيقة ورشيقة وبهيّة الطلعة. أعتقد أنني أفلحت على نحو ما في أن أكون شاعرًا بلُغة تخصّني، ميسّرة ودودة مع القارئ، وهي في الوقت ذاته قادرة على النهوض بأعباء الشعر ومسؤوليّاته".
س. كيف ترى إلى نفسك في هذا الكون الفسيح وضمن أدب العالم وشعره كابن الثقافة العربيّة ولُغتها؟
- م. الحلبي: " أراني منافسًا على قدم المساواة مع شعراء هذا العصر العرب وغير العرب وشريكًا من موقعي في إنتاج أدب عالمي تُرجم بعضه إلى الإيطاليّة والإنجليزية والفرنسية والصربيّة والعبرية (كوني أعيش في فلسطين الداخل) ويتمّ تدرسيه في الجامعات. لديّ ما أضيفه وأسهم به. ليست هناك ثقافة أفضل من ثقافتي أو نصّ أعلى قيمة من نصّي أو نضوض زملائي العرب. فعبد الرحمن منيف عندي مثلًا، ومحمود درويش أحقّ من كل الحائزين على نوبل في الآداب في الثلاثة عقود الأخيرة. بمعنى أنني أقيّم أدبنا العربي من محيطه إلى خليجه على نحو يتساوى ويتفوّق فيه على آداب بلغات أخرى. قد لا يكون أفضل لكنه بالتأكيد ليس أقلّ من أي أدب في أي لغة أخرى. واسمحوا لي أن أضيف، وإن بدوتُ نرجسيًّا، خاسرون هم الذين لا يعرفون لغتنا ولا أدبنا أو لا يُترجمونه. لقد آلت السرديات الكُبرى إلى تهافت وأفول، ومنها سرديّة الاستعمار والتفوّق، وانحسرت الإمبراطوريّات بشكلها التقليديّ عن أوطاننا وبات العالم مغايرًا، وعلينا أن نأخذ زمام الأمور في ساحة الأدب والثقافة، وأن نُسهم بقسطنا في الأدب العالمي. وهنا لا بدّ من مشاريع تنطلق من العالم العربيّ غايتها ترجمة الأدب العربيّ إلى لغات أخرى بدل أن ننتظر مركزًا أكاديميًّا أو باحثًا غربيًّا شغوفًا بثقافتنا أن يفعل ذلك. نحن شركاء في هذا العالم نُنتج أدبًا نوعيًّا ومميّزًا، فهيّا نصدّره إلى كل ثقافات العالم. أعتقد أنها وظيفة السفارات العربيّة ودوائر ومؤسّسات الثقافة في أقطارنا."