تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
بقلم: د.سمير حاج
السيرة الذاتية المكتوبة بأسلوب فنّيّ شائق وخيال إبداعيّ، تتعالق مع الرواية، رغم توثيقها ورسمها الوقائع والأحداث المعيشة، لتشكّل جنسا أدبيّا هجينا يُسمّى الرواية السيرية. وغادة الكرمي (1939) من غربتها ومكان إقامتها في بريطانيا، تنبش الذاكرة لتستعيد طفولتها المسروقة، ولتثير المواجع الفلسطينيّة المحفورة في الذاكرة الجمعية، إبان النكبة، بحثا عن مربّيتها البيتية فاطمة الباشا ومحبوبها الكلب ركس وذكرياتها الجميلة، في بيتهم المسروق، الواقع في حي القطمون، في القدس الغربية، الحامل اليوم عنوانا عبريّا. في سيرتها الذاتية المكتوبة بالإنكليزية والمترجمة إلى العربية، من قبل أحمد هلال يس، الصادرة عن دار إي كتب، لندن، 2018 تحكي غادة، طفولتها القصيرة وذكرياتها في القدس، وصدمة النكبة الفلسطينية عام 1948 وإسقاطاتها عليها، حيث أرغمت أسرتها على الهرب والنزوح، من القدس إلى دمشق أوّلا، ومن ثمّ الرّحيل إلى لندن في سبتمبر/أيلول 1949، والإقامة الدائمة هناك. إنّها سيرة النكبة الفلسطينيّة والتغريبة، وسيرة المكان والإنسان المُقتلع من وطنه، ورحلة البحث عن الزمن الضائع. إنّها وثيقة للطفولة الفلسطينيّة المصدّعة، وشهادة الشرخ والتمزّق والضياع في هوية فلسطينيي الشّتات.
الهرب الاضطراريّ
بين ذكريات طفوليّة في القطمون الجميل، «كانت الطفلة الصغيرة، تريد أن تمكث بالبيت، مع الكلب ركس وفاطمة.. تلعب في الحديقة.. تقفز على السوق الصغير الذي يفصل بين حديقة بيتهم وحديقة جارهم القادم من موسكو» وصدمة النكبة، وما سبقها من تفجيرات ورعب وقتل، من قبل العصابات اليهودية في أحياء القدس، والهرب الاضطراري المُفاجئ تحت الرصاص المنهال كالمطر، وترك البيت والكلب ركس وحيدا، ووعده بالرّجوع بعد أسبوع، من قبل غادة الطفلة، ترسم الكاتبة خريطة البيت والطفولة والحارة، بأسلوب روائيّ، حامل الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطينيّ، وموثّق للنكبة الفلسطينية والتهجير والتغريبة، «لم يكن بوسعهم أن يأخذوا ركس معهم إلى حيث يذهبون، ضمّته الطفلة إلى صدرها، فتطامن في حضنها، تطامن الفرخ في حضن أبيه، وراحت تداعب أذنيه الطويلتيْن الرقيقتيْن بأناملها، وهي تخاطبه في باطنها: لا تقلق ولا تحمل للأمر هما فلن تغيب إلّا أسبوعا واحدا. هم قالوا هذا، سوف نعود إليك فطب نفسا ولا تجزع»، غادرت الأسرة البيت، وبقي ركس وحيدا، ينبح حزينا وغاضبا في حديقة البيت». «رأت ركس يقف في وسط الطريق، بعد أن تمكّن من الإفلات من قبضة محبسه، متسمّرا في مكانه، جامدا يتابع السيارة بعيْنيْه بذيل منتصب كالراية، وأذنيْن مشرّعتيْن حتى غيّبهما منعطف الطريق. أدركت في تلك اللحظة بوضوح تام، أن ركس يعلم الحقيقة، وأنّهما لن يتقابلا مرة ثانية أبدا «. هذه الذكريات الطفولية الوجيعة، والتعلّق بالكلب ركس، تسردها غادة الكرمي حينا من منظور الطفلة الهاربة من الموت، وأحيانا من منظور البالغة سنّا، من غربتها الاضطرارية في بريطانيا. هذه الصور الحبيسة المقتطعة من الذاكرة، بتفاصيلها الصغيرة، تفجّر الوجع والأسى والهروب من تذكار أيام النكبة، كما تحمل شريط النكبة والذاكرة الجمعية للشعب الفلسطينيّ.
تنثال مشاهد النكبة المأساوية المُرعبة، من مخيلة غادة الطفلة ابنة التاسعة، التي خسرت البيت والطفولة والكلب ركس، والمحبوبة فاطمة الباشا، وتتراءى في مخيلتها مشاهد القتل والتفجير والرعب والنزوح. لقد هربوا مذعورين من نيران الحرب عام 1948، ونسوا الوثائق والمستندات وشهادات الميلاد الخاصّة بهم، ومكتبة والدها حسن الكرمي (1905-2007)، المميّزة بغناها وتنويعاتها. لأنّ للهرب من الموت ناموسا واحدا، وكما قالت أمّها «لم يكن يشغل بالي سوى أمر واحد أن أحزم الملابس التي تكفينا نحن الخمسة في الحقائب».
رحلة البحث عن فاطمة الباشا والزمن الضائع
فاطمة المحمولة في عتبة الكتاب وبين دفتيْه، والتي تقوم هذه السردية في البحث عنها، في غور النفس المُصدّعة، بعد اختفائها، لأنّها رفضت ترك الوطن والهرب مع عائلة الكاتبة، تشكّل هوية فلسطينية، وبحثا عن الذات وعن الزمن الضائع والمكان المسروق، لدى الفلسطينيّ في الشّتات. فاطمة الرمز هذه، التي أحبّتها السّاردة غادة حتى العبادة ووسمتها بكنز ثمين، وتعلّقت بها تعلّق الطفل بأمّه، هي من قرية المالحة، التي كانت تقع جنوب غربي القدس، التي هُجّر أهلها، عملت مساعدة لأمّ الكاتبة غادة الكرمي في تدبير البيت ورعاية أبنائها، غادة وسهام وزياد في القدس، وفاطمة الباشا كانت تعيش ظروفا قاسية، فقد زُوّجت في شرخ الصّبا، من رجل أساء معاملتها. فاطمة الباشا، والباشا اسم لا لقب بتعريف الكاتبة، هي صورة مُصغّرة microcosm، للمرأة الفلسطينيّة الأيقونة، التي اختفت وضاعت بفعل النكبة، تستعيدها الساردة وتتذكّرها أثناء مشاهدة النساء الفلسطينيات، على شاشات التلفزيون «وكلّما تقع عيني على هذه المشاهد، أتذكّر فاطمة وأروح أتساءل عن المصير الذي آلت إليه وكيف قضتْ نحبها». كما أنّ صورتها مرسومة ومحمولة ومخزونة لدى السّاردة في خزانة الطفولة، فهي ذات بشرة شاحبة وعيْنَيْن كستنائيتيْن وشعر أسود.
ترتسم فاطمة الباشا الفلّاحة في هذه السردية بأبهى الصور وأجملها، وفاء وأمانا، فهي الأمّ الحنون للطفلة غادة، التي تعلّقت بها طوال السيرة، واستحضرتها عدة مرات، وشكّلت باختفائها أيقونة ورمزا لضياع وطن، محفور في ذاكرتها. من خلال استعادة السّاردة ذكريات طفولتها مع فاطمة الباشا، تستعيد بيتهم المسروق في القدس الغربية، كما تستعيد علاقتها الروحية بالمكان بتفاصيله الصغيرة، من أهل وجيران وحديقة والكلب ركس. إنّ تذكار هذه النتف والشذرات والتفاصيل الصغيرة، من بوابة حديدية للحديقة والجلوس في المقعد الخلفي للسيارة، أثناء الهرب ووصف الأماكن بأسمائها الأصلية القديمة، يعيد الساردة إلى وعيها وإلى طفولتها هناك، وإلى ذكرياتها الباقية. كما أن الكاتبة بقيت تحمل ذكرى الكلب ركس في تغريبتها في بريطانيا، وكانت استعادة صورته تنبش ذاكرتها وذكرى النكبة والتهجير، فإبّان دراستها الجامعية، أثناء زيارتها بيت صديقها الإنكليزي جون، شاهدت كلابا راقدة حول المدفأة، ذكّرتها بحسرة ووجع بكلبهم ركس.
القطمون هندسة معمارية جميلة وصندوق ذكريات
يحضر القطمون في هذه السيرة صندوقة ذكريات ومكانا جميلا، حجرا وبشرا. ويشكّل منطقة مقدسية راقية، يسكنها الفلسطينيون الأثرياء، خاصّة المسيحيين، إلى جانب الأجانب. «كانت شوارع قطمون واسعة، تقوم على جانبيها فيلات ضخمة مستقلة، بجدرانها ذات اللون الترابيّ المشيّدة من أحجار جُلبت من القدس، ومصاريع نوافذها المطلية باللون الأخضر، وأرضيات شرفاتها السفلية المتّصلة بالحدائق الأمامية المرصّعة بالفسيفساء. وكان يحفّ بالكثير من هذه الفيلات، حدائق غنّاء ناضرة الزّهر وارفة الظّل، تنتثر في جنباتها أشجار الفاكهة وشجيرات البنفسج والياسمين بوفرة سخية».
إنّ عائلة غادة الكرمي سكنت القطمون عام 1938، وكان جارهم في القطمون الكاتب والمفكّر الفلسطينيّ خليل السكاكيني (1878 -1953)، الذي ربطته صداقة بوالدها حسن الكرمي (1905-2007 ). في تلك الفترة كانت القدس منتدى الشعر والثقافة، استقطبت شعراء كثيرين من العالم العربي، وكانت تُقام الأماسي الشعرية في نادي العرب الأرثوذكس، وبرز آنذاك الشاعران الفلسطينيان الوطنيان، إبراهيم طوقان (1905-1941)، وعبد الكريم الكرمي (1909-1980) عم المؤلفة الملقّب بأبي سلمى. في هذه السيرة ترسم غادة الكرمي صورة وضيئة للقدس الانتدابية ولخريطتها الثقافية، في إشعاعها التنويريّ واستقطابها رجال الفكر والأدب.
البحث عن سراب
هذه السيرة للتغريبة الفلسطينيّة، تبدأ بالبحث عن الغالي والثمين في نظر الكاتبة، فاطمة الباشا، وتنتهي بالبحث عن سراب. إنّ فاطمة غائبة ومختفية في هذه السيرة، التي تنتهي، من دون إيجاد فاطمة، كما أنّ هذه السيرة تشكّل وثيقة تاريخيّة وشهادة حية لأحداث النكبة ولتاريخ القدس، فهي ممسوحة بالذكريات الوجيعة، وصور القتل والتفجيرات والتهجير في القدس، قبيل وإبّان النكبة عام 1948. لقد ذكر الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، أحداثا مشابهة في روايته «صيّادون في شارع ضيّق «، خاصة تفجير فندق الملك داود عام 1946، في القدس، حيث قُتل في الانفجار حوالي مئة شخص، والكثرة الكاثرة منهم عرب، ومن بين الضحايا كما تسرد الكاتبة، فتاة جميلة تُدعى هيلدا عزّام، كانت تعمل سكرتيرة في الفندق. إنّ رحلة البحث عن فاطمة الباشا هي رحلة البحث عن الضائع مكانا وزمانا، وضياع فاطمة يرمز إلى ضياع وطن وضياع هوية.
يمكن القول إنّ السيرة تحمل ترميزا، بحيث تشكّل رحلة البحث عن فاطمة الضائعة، رحلة البحث عن الذات المصدّعة والمشروخة، لدى الكاتبة التي اُرغمت على العيش في الشتات، بعيدا عن بيتها وعن مدينتها.
فاطمة الباشا الحقيقيّة
ولدت فاطمة الباشا في عام 1885 في المالحة، التي تحولت إلى واحدة من أهم ضواحي القدس، وتوفيت عام 1987، في مدينة بيت لحم. يقول الكاتب الفلسطيني أسامة العيسة في موقع «الرواية «، حول علاقة فاطمة الباشا بعائلة حسن الكرمي والد المؤلفة، على لسان حفيدها محمد حسن مصلح حلو، ابن قرية المالحة، التي كانت تمتد أراضيها إلى باب الخليل في القدس. «كان القدر يرتب لها طريقا آخر، فخلال مرورها وبيعها البيض والبرتقال والحليب في القطمون، اقتربت منها امرأة، وطلبت منها ان تكون مربية لطفليها زياد وغادة، ولم تكن تلك المرأة، إلا زوجة حسن الكرمي، الذي طارت شهرته الآفاق، في ما بعد من خلال برنامجه «قول على قول». ويضيف «قبل سنوات من رحيله، التقيت حسن الكرمي، في شقته في العاصمة الأردنية عمان، وعندما ذكرته بجدتي، انتعشت ذاكرته، رغم عمره المتقدم، وبدا وكأنني أعيده إلى أيام فلسطين والقطمون الزاهية، لقد انفعل كثيرا عندما علم أنني حفيد فاطمة، وتحدث عنها بلغته الفصيحة، واصفا اياها ببلاغة وشاعرية، مؤثرة، وبعد ذلك اللقاء، رغبت جدتي بالذهاب إلى عمان ولقاء الكرمي، ولكنها كانت أيضا في عمر متقدم ولا تقوى على السفر».
إنّ فاطمة الحقيقية المقدسية في هذه السيرة، أيقونة حبّ وموضع قداسة، يتعدّى كونها الخادمة التي كانت تساعد أمّ الكاتبة، في رعاية شؤون المنزل وصنع الكعك، والاهتمام بأبناء الأسرة إلى الهوية الضائعة والمختفية. وهي الذاكرة الخصبة الحيّة لأحاديث غادة الطفولية، وهي البئر العميقة التي تمتح منها صور القدس المشظّاة، وهي قطع الفسيفساء لمدينة القدس، ومن خلال استعادتها في المخيّلة تستعاد صور المكان.
