فنجان ثقافة
16/04/2026 - 07:28:17 pm
قصة مناضلين حقيقيين بقلم:ناجي ظاهر
قصة مناضلين حقيقيين
بقلم:ناجي ظاهر
يقدم الكاتب الصحفي الفلسطيني فضل النقيب، في كتابه "هكذا تنتهي القصص.. هكذا تبدأ"، انطباعاته وملاحظاته الشخصية، القائمة على معرفة، قربا ومرافقة، لمناضلين حقيقيين من اجل الحرية والوجود، أحدهما الكاتب الشهيد الفلسطيني غسان كنفاني، ابن مدينة عكا في الاساس، والآخر المناضل العراقي باسل الكبيسي.. المناصر للقضية الفلسطينية والمعاضد لها، ويسجل المؤلف في كتابه هذا، ما رسخ في ذاكرته وما وقر في قلبه عنهما ابتداء من يومه الأول مع كل منهما، على حدة، حتى يومه الأخير.
يفتتح المؤلف كتابه بالحديث عن تأسيسه وزملاء طلاب له مجموعة أطلقت على نفسها اسم مجموعة "الادب والحياة"، ويتحدث باستفاضة ما، عن سعي اعضاء من هذه المجموعة إلى اللقاء بالكاتب الصحفي غسان كنفاني، اثناء عمله الصحفي وبعده في العاصمة اللبنانية بيروت، ويروي تفاصيل ذلك اللقاء وما تلاه من لقاءات بين الطرفين، واصفا الحماس الذي تمثل في إقبال المجموعة على القراءة تمهيدا لأن يحقق كل من اعضائها حلمه، في أن يضحي مستقبلا كاتبا، ويتطرق إلى الاختلاف في النظرة الأدبية الذاتية ما بين غسان والمجموعة، ففي حين يقوم هؤلاء الآخيرون بالتحدث عن الادب والكتابة وكيفية كتابة القصص، فإن غسان كنفاني، يقوم يوميا بكتابة مقالته الصحفية لتنشر في اليوم التالي، كذلك يفعل في كتابته قصصه في البداية، وأولها مجموعته القصصية "السرير رقم "١٢، وبعد ذلك. حدث هذا كله عندما كان النقيب طالبا لما يزل في المرحلة الدراسية الثانوية، أما عندما انتقل إلى مواصلة الدراسة الجامعة في إحدى الولايات الامريكية، فقد دأب على التواصل بكنفاني، ليقوم إبان تلك الفترة بقراءة قصة كنفاني القصيرة الموسومة بعنوان "القط"، تلك القصة التي يقف في مركزها قط تسيل دماؤه على الطريق، وليقوم النقيب بترجمتها إلى الإنجليزية والتعليق عليها، لقراءتها بالتالي على زملائه الطلاب الجامعيين وليعجب هؤلاء بها، بالضبط كما تعجب بها استاذتهم المحاضرة، مع ابدائها ملاحظة ما ، تذكر فيها بمقولة الكاتب الأمريكي إرنست همنجواي الواردة في روايته ذائعة الصيت "الشيخ والبحر"، وهو ما معناه انك تستطيع أن تهزمني لكنك لا تستطيع أن تقضي علي. بعد هذا يتلقى النقيب رواية كنفاني الاولى "رجال في الشمس"، التي يخبره عنها، فيما بعد بلال الحسن، أنها تأسست على حادث سبق ووقع لثلاثة عمال فلسطينيين، أرادوا التسلل مهربين من العراق إلى الكويت للعمل هناك، غير انهم، كما ورد في الرواية أيضا، لم يصلوا جراء توقف سائق السيارة، ابو الخيزران، في النقطة الحدودية بين البلدين، وتأخره عن العودة إليهم، بعد أن أغلق عليهم خزان الشاحنة، ليجدهم قد فارقوا الحياة، وليلقي بالتالي بجثامينهم في مكب هناك.. في الكويت، بعد أن ينتزع ساعاتهم من ايديهم، ويمضي مبتعدا ومرددا لماذا لم يقرعوا جدار الخان. وهنا يعلق المؤلف النقيب قائلا: إن رجالا في مثل وضعهم بالخزان، لا بد أنهم قرعوا جداره، غير أن المشكلة تكمن في أن أحدا لم يسمع قرعاتهم، تلك القرعات السابقة لموتهم!! .. وينتظر النقيب خلال دراسته الجامعية العمل الثاني لكنفاني في مجال الكتابة الروائية، ويصاب نوعا ما بخيبة أمل لأن كنفاني، كما يشير نقاد أيضا، تأثر في كتابته روايته التالية المنتظرة "ماذا تبقى لكم" برواية "الصخب والعنف" في كتابته روايته تلك، وابتعد إلى حد قصي عن أجواء سابقتها ... روايته "رجال في الشمس"، القريبة من الواقع اليومي المعيش للاجئين أو المهجرين الفلسطينيين، وعندما يطلع كنفاني على رأيه هذا، يبتسم، ويعد برواية أخرى قادمة، ليقدم إلى النقيب فيما بعد روايته "عائد الى حيفا"، التي تلقى الاهتمام والترحيب الشبيه بذاك الذي لاقته "رجال في الشمس".
هذه الانطباعات والملاحظات تتواصل بهذا الشكل أو ذاك، ما بين وعد لكنفاني بالكتابة عن روايته هذه أو تلك، وبين إيفاء أو إخلال بما سبق ووعد به، إلى أن ينتشر الخبر المريع، ممثلا باستشهاد غسان كنفاني، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبرفقته ابنة أخته لميس نجم، في الثامن من تموز ١٩٧٢، بعد تفجير سيارته في بيروت.
أما فيما يتعلق بالمناضل العراقي باسل الكبيسي، فإن المؤلف يتحدث عن إصراره، جديته الفائقة ومثابرته، التي لا تكل ولا تمل عن مناصرته قضية الفلسطينيين خاصة والعرب عامة مع محتلي بلادهم، ويتحدث عنه مسلطا الضوء الكاشف على مساعيه العملية متوقفا عند العديد من اللقاءات معه ومع رفيقة دربه زوجته المناضلة نادية، ويذكر خلال لقاء له، أثناء إعداده مؤتمرا طلابيا انتصارا للقضية الفلسطينية، أنه نقل إلى الكبيسي قول أحد الطلاب الجامعيين، أنه/ الكبيسي، يعد لعقد مؤتمر طلابي جامعي وكأنما هو يعد لمظاهرة حاشدة، فيرد عليه الكبيسي وما الفرق.. وهو ما مفاده أنه لا فرق بين مؤتمر ومظاهرة ما دام الهدف واحدا.
انطباعات وملاحظات المؤلف عن الكبيسي تتمحور في العديد من اللقاءات والوعود، ويكون أن يكتب مؤلف الكتاب فضل النقيب، مقالة عن "عالم غسان كنفاني"، ويتوجه إلى الكبيسي سائلا إياه عما إذا كان قد قرأ مقالته تلك، فيرد عليه، الكبيسي قائلا إنه قرأ تلك المقاله وأنه سيتحدث إليه عنها عندما يلتقي به قريبا.. إلا أن ذلك اللقاء.. الموعود.. لم يتم لأن الكبيسي يقضي بعد اغتيال المخابرات الإسرائيلية له، في التاسع من نيسان عام ١٩٧٣ في العاصمة الفرنسية باريس. أما زوجة الكبيسي ورفيقة دربه، المناضلة نادية التي لا تقل عنه ايمانا بعدالة القضية الفلسطينية، فإنها تقضي مستشهدة برفقة ابنائها الثلاثة: احمد، يعرب وياسر، بعد زيارتها لامها المريضة في أوروبا الشرقية. وعودتها من عيادتها لها، وفق تعبير مؤلف الكتاب، وذلك بعد تحطم الطائرة التشيكية التي استقلتها وأبناؤها.. قرب العاصمة السورية دمشق.
في تلخيصنا هذا الكتاب قليل الصفحات ١٤٦ صفحة من القطع الصغير، كبير القيمة، نقول إنه كتاب هام، اولا لأنه يقدم شهادة عيانية تغترف من بحر المعايشة اليومية لاثنين من اصدق المناضلين الذين عاشوا وقضوا فداء لعيني القضية التي آمنوا بها.. قضية الحرية والوجود، وذلك ابتداء من اليوم الأول حتى الاخير لهما في هذا العالم الفظ غليظ القلب.
*صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في بيروت عام ١٩٨٣ ، فيما صدرت طبعته الثانية في القدس بعد خمسة أعوام. وقد قرأت الكتاب سابقا ولاحقا في طبعته الاثنتين. رحم الله مؤلفه فضل النقيب وطيب ذكراه.