تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
بيت صغير في البراري...
كان يا مكان... أبي وأمي وماري ولور
بقلم:رياض خطيب
تركوا منزلهم في غابات وينكسنون الكبيرة.
حزنت أمي لأننا تركنا حياتنا السابقة.
ولكن أبي قال: المكان أصبح مزدحمًا.
وإننا بحاجة إلى بداية جديدة بالغرب.
كل يوم كانت الأحصنة تسير مسافات كبيرة.
ونخيم بمكان جديد.
في النهاية وصلوا إلى البراري.
حيث لم يكن إلا العشب.
وأمواج من الظلال، وسماء شاسعة.
ولكنهم كانوا سعداء؛ لأنهم عائلة ملتئمة.
اصفر لي، وسآتيك يا حبيبي.
رغم أن أبي وأمي والجميع مستاؤون... اصفر لي.
وسآتيك يا حبيبي.
آل إنغالز قادمون... قادمون إلى كنساس.
بهذه الأغنية اللطيفة التي تستهل بها هذه الدراما الجميلة، من ناحية الشكل والمضمون، وهي تروي قصة بواكير الاستيطان الأمريكي في بلاد كانت، سنوات طويلة، ملكًا لأهلها الأصليين من قبائل الهنود الحمر، ملح الأرض في هذه البقعة الجميلة من الأرض، والتي أُطلق عليها فيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية..!!
وما يميز هذه الدراما عن غيرها من آلاف الإنتاجات الفنية، ما بين دراما وسينما، كانت تحكي قصة وصول الإنسان الأبيض إلى هذه الأرض، ومعظمها عكس الوجه القذر، حيث صوَّرت الإنسان الهندي بالإنسان المتوحش البربري، والذي تحول إلى مصيدة من قبل Cowboy الأمريكي الأبيض، والذي قدم إلى البقعة من أجل تخليصها من قبائل الهنود المتوحشة، وزرع الحضارة والثقافة فيها..!!؟؟
رحلة آل إنغالز، الأب جون، والزوجة ماتي، والابنتين ماري ولورا، واختيارهم لهذه البقعة الجميلة من البراري الأمريكية الشاسعة، والتي كانت مرتعًا لغابات أزلية تمتد على مدى البصر، موطنًا للوحوش وقطعان الجاموس، والتي شكلت مصدر رزق واستمرارية الحياة لقبائل هنود الأوساج، أصحابها الحقيقيين.
بعد أن يختار جون وزوجته بقعة مميزة من أجل إقامة بيت صغير، مأوى لهم ولماري ولورا، وبعد هذه الرحلة القاسية، والتي تعرضت فيها هذه العائلة لأزمة كادت أن تغرقهم بتيار النهر المتدفق، ولكن بسالة الأب وشجاعة الأم تمكنهم من عبور النهر إلى شاطئ الأمان، وذلك بعد أن تعرضت الزوجة لإصابة بيدها، مع وصول أول زائر، وهو الطبيب الزنجي الوحيد بالمنطقة، إيتان، والذي يقوم بتنظيف جرح الزوجة وتقديم العلاج لها، وكانت هذه نقطة اللقاء الأول بالإنسان في هذه البراري المنزوية، بعيدًا عن القرية وعن الناس.
مهمة بناء البيت بحاجة إلى مساعد من أجل تقطيع الأشجار، وحفر الأساس المناسب لإقامة البيت.
وخاصة بعد إصابة الزوجة، لا بد على جون من البحث عن مساعد له، وذلك من خلال المقايضة؛ لأنه لا يملك سنتًا واحدًا لكي يدفع أجرة المساعد.
وهكذا يلتقي جون بريكاردو، جندي سابق فقد أسرته، وبقي وحيدًا يعيش بعيدًا، يعتاش من الصيد وصناعة الويسكي وبيعها بالسوق القريبة لكي يعتاش.
وهكذا يتم الاتفاق على أن يقوم ريكاردو بالمساعدة في بناء البيت، ويتعرف إلى العائلة، ويصبح، مع مرور الوقت، جزءًا منها. عمل، وجد، ونشاط لكي يكتمل البناء، وفي نهاية العمل تحضر الزوجة وجبة عشاء يتخللها الرقص والغناء، وخاصة بأن الأب جون يمتلك كمانًا يعتز به، ومن خلال الممارسة يصبح عازفًا يدخل البسمة والفرحة إلى العائلة، بالإضافة إلى صديقه ريكاردو، والذي يندمج كليًا ويصبح جزءًا من هذه العائلة.
كل ذلك يجري تحت سمع وبصر قبائل الهنود من الأوساج، أصحاب الأرض الأصليين..!؟
وكان جون ينتظر بأن تجهز السلطات الأوراق والمعاملات اللازمة من أجل الحصول على قطعة الأرض بشكل قانوني، وهو يعرف بأن السلطات كانت تحضر لنقل سكان الأرض من الأوساج إلى بقعة أخرى من الأرض، وهنا تظهر، ولأول مرة، حقيقة الأمر، بأن هذه الأرض ملك لقبائل الأوساج منذ آلاف السنين، وليس بهذه البساطة ممكن أن يتخلوا عنها.
بهذه الأرض دُفن آباؤنا وأجدادنا، ونحن من زرع هذه الغابات، وما تحويه هذه الأرض من نباتات وأثمار.
فكيف لنا أن نتخلى عنها ونرحل منها!؟؟
بهذه الكلمات لحّص زعيم قبيلة الأوساج موقفه من عملية الترحيل، ولأول مرة يعترف الطرف الآخر، الرجل الأبيض، بهذا الأمر، أي الإقرار بأن هذه الأرض هي ملك لأصحابها الشرعيين من قبائل الأوساج، وبدون أن تتم موافقتهم لا يمكن لي أن أعتدي على شبر واحد من هذه الأرض.
وحتى لو اضطرني الأمر للمغادرة أنا وعائلتي صباح الغد.
بهذه الكلمات لخص جون، الأب، موقفه، وهو يمثل الموقف الأصيل لكل الناس الشرفاء الأحرار.
كيف يمكن التعدي والاستيلاء على أرض ووطن الآخرين!!!؟؟
هذا السؤال يجب أن يُطرح على حكام بلادنا (دولة إسرائيل)، والتي أُقيمت على أرض عامرة بأهلها وناسها، بعد أن تعرضت لعملية تطهير عرقي، وهدم أكثر من 530 قرية فلسطينية، وتهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني من أرضهم ووطنهم.
بهذا الموقف الإنساني لخص جون موقفه، وهو بطبيعة الحال يجسد موقف المخرج وكل من ساهم بإنتاج هذه الدراما الجميلة.
بعد نقاشات وحوارات معمقة يوافق الأوساج على تبادل الأرض مع الحكومة مقابل أرض مساوية بالطرف الآخر من النهر، ورغم مرارة اتخاذ القرار والتذمر بين أبناء قبيلة الأوساج، وخاصة بين أبناء الجيل الشاب.
بهذا الاتفاق الذي يرضي جون، ويتم العمل على فلاحة الأرض التي قررتها له الحكومة، لكي يستقر به الحال من أجل توفير مصدر العيش له ولعائلته، وخاصة بأن زوجته حامل، تنتظر مولودًا قادمًا على الطريق.
الجزء الثاني من هذه الدراما هو حتمية التأقلم والعيش مع سكان قرية سندبنسن القريبة منه، حيث يتواجد إطار الحياة المجتمعية، وتدخل إلى صورة الحدث الدرامي مجموعة من الشخصيات، أمثال إيمي، صاحبة البقالة الوحيدة بالمنطقة، وهي قريبة وعشيقة الدكتور إيتان، وكذلك جفرسون وزوجته، من أوائل المستوطنين بالقرية، والذي يفرض نفسه كعمدة للبلدة، من خلال طلبه من سيد إنغالز بأن يقوم بتحضير خريطة لبناء كنيسة، ويتحقق له ذلك، ويتم بناء الكنيسة بالفعل، والبحث عن قسيس لكي يقوم بواجب الخدمة الدينية من زواج، ومآتم، وتقديم موعظة أسبوعية لسكان البلدة.
يتم انخراط عائلة إنغالز بسرعة، وخاصة بأن الزوجة هي مدرسة سابقة، وعليها الآن أن تبادر إلى إقامة مدرسة لبناتها ولأبناء القرية، بعد أن يتم اندماج ماري ولورا بسرعة مع أبناء القرية، وخاصة جوديت، الابنة من أصل هندي، والتي أصبحت تربطها علاقة مميزة معها، ومن خلال هذه العلاقة ينعكس ذلك بعلاقة طيبة بين الأسرتين.
شبكة العلاقات الاجتماعية بين أبناء القرية تسير وفق أسس من الاحترام والتعاون، وخاصة بعد أن يتم إبلاغهم عن تحضير الأرضية لمرور سكة حديد بالقرية، تربطها بالعالم الخارجي.
بعد أن يحصل الأب على قطعة الأرض التي تخصصها الحكومة له، تتم زراعتها بالذرة لكي تشكل مصدر رزق للعائلة، لكي يستطيع أن يلبي متطلبات الحياة له ولزوجته وثلاث بنات.
بعد أن يشب حريق بالمنطقة، وتلتهم النيران معظم محصول الذرة، وبعد أن يتأكد بأن الحكومة تريد أن تجبي أثمان الأرض التي حصل عليها، وهو الذي لا يملك سنتًا واحدًا، يقرر الأب، وعلى مضض، أن يترك المكان والبحث عن برارٍ جديدة يستوطن فيها.
فكري بمقدار فرحة الأرانب وهي تأكل حديقتنا.
من سيسكن بالبيت يا أبي؟
ربما عائلة جديدة تحط رحالها بالمنطقة.
أو أحد أفراد الأوساج، أصحاب الأرض.
إلى أين سنذهب يا جون؟
هل تريدين العودة إلى ديار أهلك؟
لا أحب ما صرنا عليه هنا.
جئنا للارتقاء بأنفسنا، وقد أفلحنا.
ربما نفلح مرة أخرى.
وربما لا، أحد يدري.
حوارات الوداع مع بزوغ الشمس في سماء غيوم متقطعة، تتسرب من خلالها أضواء الشمس، هي بالنسبة لي من أجمل ما رأيت من دراما وسينما أمريكية، وخاصة بأن التصوير كان له دور مميز من حيث استغلال كل زاوية وبقعة جميلة.
لا ننسى دور الأداء التمثيلي المميز، ليس لجون وزوجته، فهما من طليعة الصف الأول بالتمثيل، ولكن المميز هو الطفلتان ماري ولورا، تبشّران بميلاد طاقة فنية متدفقة، موهبةً وإحساسًا.
كما ذكرت سابقًا، كانت دراما مميزة من ناحية الشكل والمضمون، والتي تميزت عن الكثير من الإنتاج الفني الأمريكي، والذي كان توجهه سلبيًا تجاه الهنود الحمر، سكان الأرض وأصحاب المكان والزمان، إلا أن المخرج خرج عن الطوق والبروباغندا الاستعمارية، ووضع أجندته الخاصة، كاشفًا بكل جرأة عن حقيقة الوجود الهندي، أصل حقيقة الزمان والمكان بهذه الأرض.
تحية لكل من ساهم في إنتاج هذا الإبداع الجميل، ونتمنى أن يخرج فنان من الوسط الإسرائيلي لكي يوضح ويقر ويعترف بنكبة شعبنا الفلسطيني، وبأن هذه الدولة أُقيمت على أرض عامرة بأهلها وناسها...
