X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
فنجان ثقافة
اضف تعقيب
19/09/2026 - 04:52:41 pm
النص المسرحي الفلسطيني بين التجديد وثبات الهوية

النص المسرحي الفلسطيني بين التجديد وثبات الهوية

(رياض خطيب - عفيف شليوط - محمود صبح -سامية قوموز بكري و طارق السيد نماذج)

بقلم : د.جهينة عمر الخطيب- ناقدة في الأدب العربي الحديث

مقدمة المقال

تُعدّ الكتابة المسرحية في السياق الفلسطيني من أعقد الحقول المعرفية والفنية وأكثرها ثراءً، نظرًا لارتباطها الوثيق بمسألة الهوية، والوجود، وصراع السرديات. لم ينشأ المسرح الفلسطيني في ظروف طبيعية غايتها الترفيه الاستهلاكي، بل وُلد بوصفه "مسرح ضرورة" يحمل على عاتقه مهمة المقاومة الثقافية، واستعادة المكان سرديًا ودراميًا في مواجهة آليات المحو والتغييب. غير أن هذا المسرح واجه، وما زال يواجه، تحديات جمّة تتعلق بتأصيل "النص المكتوب"، وبناء دراماتورجيا قادرة على المزاوجة بين الحفاظ على الثوابت الوطنية (ثبات الهوية) وبين الانفتاح على التجريب والحداثة (التجديد).

تتناول هذه المقالة  دراسة وتحليل نماذج من النص المسرحي الفلسطيني لخمسة كتاب ومسرحيين هم: رياض خطيب، وعفيف شليوط، ومحمود صبح، وسامية قزموز بكري  وطارق السيد، معتمدة على منهجية تزاوج بين التنظير الأكاديمي والتطبيق النقدي، بالاستناد إلى نصوصهم وتجلياتها الفنية الموثقة من خلال مسرحياتهم.

الفصل النظري: جدلية الهوية والتجديد في النص المسرحي الفلسطيني

1. أزمة النص وولادة "الفنان الشامل" يُعاني "النص المسرحي المكتوب" في الساحة الثقافية الفلسطينية من أزمة ندرة جلية. وتعود جذور هذه الأزمة إلى غياب التفرغ الاحترافي للكتابة المسرحية، وسيطرة ثقافة العرض، وتفضيل أسلوب الارتجال وبناء المشهدية على الخشبة مباشرة، بالإضافة إلى غياب الدعم المادي والبنية المؤسساتية الداعمة.

أمام هذا الواقع، أفرز المشهد الفلسطيني ظاهرة إبداعية استثنائية تتمثل في "الفنان الشامل". وهو الفنان الذي تضطره الظروف للجمع بين التأليف والتمثيل والإخراج في آنٍ واحد. ومن أبرز رواد هذه الظاهرة، على سبيل المثال، الفنان عفيف شليوط، ومحمود صبح وسامية قزموز  بكري الذين أسهموا بمسيرتهم في صياغة أسلوب مسرحي يدمج المحلية العميقة بآفاق إنسانية عالمية. هذا الدمج بين التأليف والممارسة الركحية جعل النص الدرامي الفلسطيني نصًا حيًا  كُتب بعين المخرج وروح الممثل، ليكون نصًا يمتلك "ديناميكية الخشبة" وقابلًا للتجسيد الفوري.

2. ثبات الهوية: توثيق الألم والتمسك بالأرض إنّ ثبات الهوية في النص الدرامي الفلسطيني لا يعني الجمود أو الانغلاق الفكري، بل يعني استمرارية الالتزام بقضايا الإنسان الفلسطيني: الشتات، اللجوء، مصادرة الأراضي، والبحث عن الخلاص. إن المسرح هنا يعمل كونه أداة توثيقية، وباعتباره أرشيفًا للذاكرة الجمعية. وتتكرر في النصوص ثيمات مركزية كالنكبة، ووجع الاقتلاع، والدفاع عن الوجود. كما تبرز بقوة ثيمة الأرض بوصفها المحرك الأساسي للصراع، وهو ما نجده في استدعاءات الذاكرة التي ينقلها الأجداد للأحفاد للحيلولة دون نسيان القضية أو تكرار مأساة التهجير.

3. التجديد الدرامي: التناص، الاسترجاع، وتفكيك الخطاب مقابل ثبات الهوية الموضوعاتي، انفتح الخطاب الدرامي الفلسطيني على تقنيات تجديدية واسعة في البناء الفني. من أبرز هذه التقنيات:

  • التناص الأسطوري والتاريخي: استدعاء شخصيات من التاريخ العربي (كالحلاج) أو الأساطير اليونانية (كأنتيغوني) لإسقاطها على الواقع السياسي والمجتمعي المعاصر.
  • البنية الحوارية المركبة: التلاعب بالزمن الدرامي عبر استخدام "الاسترجاع الفني" (الفلاش باك)، والمزج بين الحوار الداخلي (المونولوج) والحوار الخارجي، لتعميق البعد النفسي للشخصيات.
  • الكوميديا السوداء والعبث: استخدام السخرية اللاذعة لتفكيك بنية الأنظمة الشمولية ونقد الاستبداد الداخلي والخارجي.

الفصل التطبيقي: قراءات تحليلية في نماذج مختارة

ينتقل هذا الفصل إلى تفكيك وتحليل البنى النصية لأربعة من الكتاب بناءً على الوثائق والنصوص المرجعية المحددة.

أولاً: رياض خطيب وتمرير الذاكرة عبر الأجيال (قراءة في مسرحية "نينار.

في نصه الذي يحمل عنوان "نوستالجيا زمن لن يعود!!" الوارد في ملف "نينار. يبتعد رياض خطيب عن البنية الدرامية الكلاسيكية المعقدة، ليقدم نصًا أقرب إلى المونولوج الداخلي أو الرسالة الوجدانية الموجّهة من جد إلى حفيدته "نينار". يُشكل هذا النص صرخة للحفاظ على الذاكرة الفلسطينية (ثبات الهوية) من خلال ثيمة التوريث الثقافي والنضالي.

1. الأرض والوجود: يربط الكاتب ميلاد حفيدته في شهر آذار، بشهر الطبيعة وشهر الأرض، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية في البلاد هي "الدفاع عن الأرض". ويستعين بالتناص الشعري مع مقولة الشاعر محمود درويش الخالدة: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". ليؤسّس لخطاب يرفض التهميش مبينًا: "فنحن يا صغيرتي لسنا زوّارًا أو عابرين، بل نحن ملح وأساس هذه الأرض".

2. الذاكرة والتحذير من النكبة: يبرز التجديد في الخطاب عبر كسر حاجز الزمن، حيث يتوجه الكاتب للمستقبل (الحفيدة) مستحضرًا الماضي (النكبة) بقوله إنه سيروي لها الحكاية وتفاصيلها عندما تكبر، لتنقلها بدورها لأبناء جيلها "حتى لا تمرّ علينا نكبة ثانية أخرى". إن النص يرفض سياسة "الاقتلاع والتهجير المتواصلة منذ فجر النكبة"، ويدعو للتشبث بالأرض.

3. البعد العروبي والإنساني: لا يكتفي خطيب بالهمّ الفلسطيني الموضعي، بل يربطه بالهم العربي الأوسع. يستحضر الكاتب غناء حفيدته لأغنية "صباح الخير سوريا". ليعبّر عن تضامنه مع كل الأوطان العربية التي مزقها الإرهاب، معتبرًا أنّ غناء الطفلة لسوريا هو دليل على أن "الدنيا لا زالت بألف خير، وأن سوريا ستبقى بألف خير بشعبها".

ثانيًا: عفيف شليوط.. تفكيك الديكتاتورية والتناص الأسطوري (قراءة في مسرحية  " بموت إذا بموت و نص " أنتيغوني تنتفض من جديد

يُعد عفيف شليوط (مواليد شفاعمرو 1962) نموذجًا بارزًا في تجديد النص المسرحي؛ فقد تلقّى تكوينًا أكاديميًا في الأدب المقارن بجامعة حيفا، وانخرط بقوة في العمل الصحفي، فضلًا عن كونه فنانًا شاملًا أسّس "مسرح الغربال" (1977) ومؤسسة "الأفق" (1996). هذا التكوين مكّنه من كتابة نصوص تنطلق من المحلية وتلامس العالمية، وهو ما أهّله لنيل جائزة أدبية من صندوق "أرديتي" السويسري عام 2018 عن مسرحيته المترجمة "بموت إذا بموت".

ونجد في  مسرحية "بموت إذا بموت": كوميديا العبث والسلطة المطلقة " ويقدّم شليوط نصًا عبثيًا يسخر من الأنظمة الديكتاتورية العربية. تدور الحبكة حول شخصيتين رئيستين: "الرئيس" و"الشاب" الحارس أو التابع.

  • نرجسية السلطة وإلغاء الآخر: يجسّد "الرئيس" جنون العظمة، حيث يعتبر أنّ مجرد قول الحارس "استغفر الله" هو مقدمة للنقاش والتفكير الحر الذي يضر بالوطن، لافتًا إلى أنّ كلمة "لا" يجب أن تُلغى من قاموس اللغة العربية. الرئيس يرى نفسه أصل الكون: "أنا عظيم، أنا عبقري، أنا ظاهرة لن تتكرر في تاريخ البشرية"، ويختزل الوطن في شخصه: "أنا الوطن والوطن أنا".
  • فكرة الخلود والاستنساخ (الأنايات): رغبة الرئيس في الخلود تدفعه للذعر من الموت ("أنا مش إنسان أنا خالد مش راح أموت"). يقنعه الشاب باختراع عبقري يتمثل في طبع نسخ وتماثيل من الرئيس لتملأ الدنيا (يطلق عليها الرئيس مصطلح "أناياتي")، ليلغي بذلك كل الضمائر (هو، هي، نحن) ولا يبقى سوى "أنا".
  • المفارقة الدرامية والموت: في نهاية المطاف، يتضح أنّ "الشاب" الذي كان يطبّل  ويزمّر للرئيس ليس سوى "عزرائيل" (ملك الموت) متخفيًا ، وعندما يظهر عزرائيل بشكله الحقيقي متوعدًا إياه بالموت، ينهار الرئيس ويتوسل له باكيًا، ليقتله الخوف والوهم قبل أن يُقبض روحه فعليًا، حيث يجثو الرئيس على ركبتيه ويلفظ أنفاسه الأخيرة رعبًا بعد أن طرده لعزرائيل المزعوم.

2. مسرحية "أنتيغوني تنتفض من جديد": التناص الأسطوري يُظهر النص المسرحي الفلسطيني تحولات الخطاب الدرامي و قدرة شليوط على استدعاء الأساطير اليونانية وتوظيفها. استوحى شليوط أسطورة أنتيغوني ابنة الملك أوديب، التي رفضت الخضوع للطاغية "كريون"، واستدعاها لعصرنا الحالي. الخطاب الدرامي هنا يفكّك قضايا مجتمعية فلسطينية حارقة، منها:

 

  • جرائم الشرف والعنف: عبر لوحة تُغتصب فيها فتاة في حمام منزلها من قِبل جارها، فيدين المجتمع الضحية ويبرر للمغتصب بوصفه "مسكينًا".
  • خريطة الدم: تستنكر أنتيغوني استرخاص حياة الإنسان مستحضرة أسماء مدن فلسطينية (حيفا، أم الفحم، الطيبة، شفاعمرو...) وتهتف: "بكفي موت موت موت".
  • الاغتراب ومراكب الموت: يتطرق الكاتب لظاهرة الهجرة غير الشرعية، حيث تشكر جثة الشاب الغريق البحر والأسماك التي احتضنته بلا فيزا وبلا سؤال عن دينه.
  • التحزب الأعمى: ينقد النص التكتلات الحزبية عبر ثنائية الإذعان: "يا بتكون معنا يا ضدنا".

ثالثاً: طارق السيد.. الإسقاط التاريخي والتصوف  باعتباره ثورة (قراءة في مسرحية  "يوم صلب الحلاج

يمثّل نص طارق السيد "يوم صلب الحلاج" استثمارًا عميقًا للموروث التاريخي الصوفي، لإسقاطه على الواقع الراهن. تقع أحداث المسرحية في الليلة الأخيرة قبل إعدام الحسين بن منصور الحلاج بأمر من الخليفة "المقتدر بالله".

1. جدلية الحرية والقيد: يبدأ النص بمشهد الحلاج في زنزانته مكبلًا، بينما ينادي المنادي بقرار الإعدام بتهمة الزندقة. يطرح الكاتب مفارقة فلسفية حادة؛ فالحارس يرى الحلاج مقيدًا ومقبلًا على الموت، بينما يرد الحلاج بأنه "الحر"، وأن الله يطوف بروحه خارج الجدران. الحلاج يرفض القيود المادية ويدعو الحارس للبحث عن الحقيقة والتخلص من القيد بالحب ("كن أنت ولا تكن ما يريدون منك أن تكون").

2. الخطاب السياسي وتوظيف الدين: يفضح النص كيف يستخدم الساسة الدين أداة للقمع. الحارس يُبرر قمع الدولة وطاعة الخليفة بالآيات القرآنية، بينما يكشف الحلاج زيف هذا الإيمان المبني على الخوف، متسائلاً عن الجوع والفقر وانعدام المساواة ("هل أطفالك ينعمون بما ينعم أبناء السلاطين؟"). يتقمص الحلاج شخصية "الخليفة المقتدر" في حوار متخيل مع خادمه "مؤنس"، ليكشف أن قرار صلب الحلاج ليس دفاعاً عن الدين، بل خوفاً على السلطة الكرسي، لأن الحلاج يدعو للعدل والمساواة ("لم يعلم ان الخليفة ينجب خليفة والعبيد تنجب عبيدا").

3. الحب الإلهي مقابل الحقد البشري: يصل النص إلى ذروته الدرامية عندما يقدم الحارس خبزاً للحلاج. يُميّز الحلاج طعم الخبز الذي كانت تصنعه "أم عمرو"، ويكتشف أن هذا الحارس هو شقيق تلميذه ومريده "عمرو". المفاجأة الصادمة هي أن الحارس يعترف بأنه هو من قتل أخاه "عمرو" برمحه أثناء ملاحقته لمريدي الحلاج، مبرراً ذلك بكراهيته لأفكار الحلاج التي سحرت أخاه. يرد الحلاج بعمق صوفي مؤكداً أن الحارس لم يقتل أخاه جسدياً فقط، بل قتل نفسه بالحقد ("الكره هو من يقتل القلوب... لتمر في هذه الدنيا شبحا"). وينتهي النص بدعوة الحلاج للحارس ليكمل تشكيل وعاء الطين لعله يسقي العطشى، في دلالة على استمرارية العطاء والتسامح رغم دموية السلطة.

رابعاً: محمود صبح.. البنية الحوارية ورمزية الاغتصاب للوطن (قراءة في  "البنية الحوارية  لمسرحية" أم الشرايط ")

تُشكل مسرحية "أم الشرايط" لمحمود صبح إحدى أهم الوثائق الدرامية التي ترصد جرح النكبة الفلسطينية والتهجير، معتمدة على تعقيد "البنية الحوارية". يحلل الملف المرفق طبيعة الحوار الخارجي والداخلي في المسرحية، وكيف وظفها الكاتب لخدمة دراما الشتات.

1. تداخل الحوار الخارجي والداخلي (المونولوج): تعتمد المسرحية بشكل أساسي على شخصية "صالحة" (أم الشرايط)، التي تعيش حالة من الصراع النفسي. تتحدث صالحة مع زوجها الغائب "خليل" كما لو كان حاضراً، وهو ما يخلق دمجاً بين الحوار الذاتي والخارجي ("خليل... انا هون يا خليل... هياني عمبلوح بايدي"). هذا الحوار يعكس حالة الفقد والتيه التي أصابت الإنسان الفلسطيني بعد النكبة.

2. تقنية الاسترجاع الفني (الفلاش باك): النص مبني بالكامل على تقنية "الاسترجاع الفني"، حيث يقطع الكاتب التسلسل الزمني المنطقي ليعود بالذاكرة إلى أحداث الماضي لتوضيح ملابسات الموقف الراهن. تسترجع صالحة تفاصيل زواجها بخليل قائلة: ("قطفت ياابن عمي ضمّه من النعنعة... علشان ازين ايدي").

3. التناص الرمزي (الاغتصاب الجسدي واغتصاب الوطن): الذروة الدرامية والمأساوية في النص تتجلى في استرجاع مشهد اغتصاب صالحة إبان النكبة. يصف النص بدقة قاسية كيف تناوب سبعة جنود على اغتصابها بينما أهل القرية يكتفون بالفرار وترديد جملة: ("استروها"). تروي صالحة معاناتها لخليل الغائب: ("سبعة بالعدد واحد ورا التاني... صرخت ياخليل.. سبيت.. ابكيت... اتمنيت الموت سبع مرات"). هذا الاغتصاب الجسدي يحمل دلالة سيميائية عميقة تمثل "اغتصاب الوطن"؛ فالجنود لم يكتفوا بالاعتداء عليها، بل ("دقو ودادهن بالبلد واخدو كل شي ياخليل اخدو البيت والزرعات واخدوني").

4. دلالة "الروبابيكيا" والشتات: تُجبر صالحة على العمل كبائعة للأشياء المستعملة ("أم الشرايط") وتدور في البلاد باحثة عن زوجها. هذا الدوران و"الشحشطة" -كما يصفها النص- يعبران عن الشتات والضياع؛ ففلسطين التي اغتصبت وهُجر أبناؤها، تحولت في حياة صالحة إلى رحلة بحث لا تنتهي بين الأنقاض ("عاودت اتشحشطت من اول وجديد... واشتري اواعي مستعملة من الكُبانية وادور ابيعها").

خامسًا: سامية قزموز بكري.. مسرحة الذاكرة وفن المونودراما (قراءة في مسرحية "الزاروب")

تُعد الفنانة سامية قزموز بكري صوتًا مسرحيًا استثنائيًا وظف خشبة المسرح كوثيقة حية لحماية الذاكرة الفلسطينية. تنطلق بكري من رؤية راسخة بأن أهم ركائز رسالتها المسرحية هي: "حكايتنا... حكايا الناس والمدن والقرى وما حلّ بنا". كما تُفرد مساحة واسعة في أعمالها للمرأة وعمق مشكلتها الإنسانية والنفسية.

1. ثبات الهوية: الاستقلالية الفنية ورفض التدجين تُجسد بكري نموذجًا للفنان الملتزم بهويته الوطنية حدّ التماهي، حيث قادت كفاحًا فنيًا لإنتاج أعمالها متجاوزة الصعوبات الجمة وغياب الدعم المادي والمعنوي. يتجلى ثبات الهوية لديها في مقاطعتها للمؤسسات التي لا تتلاءم مع انتمائها الفلسطيني؛ إذ رفضت العديد من العروض المهنية والمغريات المادية في المسرح والسينما والتلفزيون الإسرائيلي. ومن أبرز محطاتها في هذا السياق رفضها العمل في المسرح البلدي العبري في حيفا بدعوة من المخرج "عوديد كوتلر"، مفضلة البقاء وحيدة لتقديم ما يتوافق مع أجندتها ومشروعها الوطني. وفي هذا السياق، يصف راضي شحادة مسار الفنانين الفلسطينيين في الداخل بأنهم يسيرون "بين الألغام المزروعة الثورية بشكل لا يعرّضنا للخطر من قبل السلطة الحاكمة"، مما يتطلب حنكة وإبداعًا لا يقلّان عن قدرة الكائنات على التكيف ضد مبيدات الانقراض.

2. التجديد في الشكل الدرامي: "المسرحيد" وتعدد الأصوات اختارت بكري قالب "المونودراما" (مسرح الممثل الواحد) أو ما يُعرف محلياً بـ "المسرحيد"، ليكون وعاءً لتجربتها التوثيقية. يبرز التجديد هنا في قدرة ممثلة واحدة على تجسيد أصوات متعددة. تستلهم بكري هذا الشكل الفني من عرض مسرحي شاهدته عام 1986 للممثلة "شوش غورن" عن خمس نساء يهوديات يمنيات، فقامت بتهجين هذه الفكرة وإعادة إنتاجها بقالب فلسطيني خالص، لتقدم خمسة وجوه ونساء فلسطينيات بأعمار مختلفة وشخصيات متضاربة.

يبرز التجديد التقني في مسرحية "الزاروب" من خلال آليتين:

  • كسر الجدار الرابع وإشراك الجمهور: تخرج الممثلة من إطار الإيهام المسرحي لتتفاعل مع المتلقي مباشرة. فالنص يتغير حسب نوع الجمهور، وتلجأ للارتجال كأن تصافح أحداً وتقول: "كيفك.. يا أستاذ حنا.. يا ست سلمى". أو أن تخاطب إحداهن في وسط العرض: "مش زيكوا اليوم بتفيقوا تراكضوا زي المَشْلُومات".

 

  • دمج السيرة الذاتية بالغيرية: تتماهى الكاتبة/الممثلة مع شخصية "الراوية"، فتستخدم أسلوب الحكواتي معلنة: "عكا بزواريبها... يا جماعة أنا بنت هذه الزواريب.. فيها ربيت". بل إنها تذكر اسمها الصريح في الحوار لتأكيد صدقية التوثيق: "- بتعرفي سامية شو أكثر شي اشتقت له ببلاد الغربة؟!".

3. توثيق النكبة والمكان (عكا كونها أيقونة للمقاومة) لم يكن اختيار مدينة "عكا" فضاءً مكانيًا لمسرحية "الزاروب" مجرد صدفة لكونها مسقط رأس الكاتبة، بل هو خيار يحمل أبعادًا سيميائية عميقة؛ فعكا هي المدينة التي قهرت نابليون بونابرت وعجز عن اختراق أسوارها، مما يشكل إسقاطًا دراميًا على فلسطين التي تقاوم الاحتلال حتى النفس الأخير. توثّق المسرحية ما حدث في عكا قبل النكبة وخلالها وبعدها، وكيف ترك الفلسطينيون بيوتهم الحجرية الساحرة عام 1948 وقلوبهم عالقة داخل جدرانها.

4. أرشفة التراث واللهجة باعتباره فعل مقاومة إلى جانب السرد الدرامي، تمارس سامية قزموز بكري في نصها دور "الأرشيف الحي" لحماية التراث والفولكلور الفلسطيني من الاندثار. يتجلى ذلك في:

  • توثيق الغناء الشعبي: تُدمج الكاتبة أبيات "العتابا" المعبرة عن الشتات واللجوء ("يا دار لو عدنا كما كنّا / لابنيكِ يا دار واجعل طينتك حنّة")، إضافة إلى أغاني الأعراس ("البدر لما نزار دارت الأنوار...")، وأهازيج الولادة التي تعكس الثقافة الشعبية ("أويها اجانا الصبي اصبعه بتمّه").
  • توثيق اللهجات المحكية: يحفل النص بمفردات من القاموس الشعبي الفلسطيني، مثل كلمة "نايطة" التي تعني المرأة الكسولة أو البطيئة، وكلمة "مايعة" التي تدل على الدلال المفرط المائل للكسل، وكلمة "المشلومات" التي تطلق على النساء المسرعات.

وبهذا، تشكّل مسرحية "الزاروب" لسامية قزموز بكري نموذجًا أكاديميًا وفنيًا متكاملًا لكيفية تطويع فن "المونودراما" (التجديد الشكلي) لخدمة قضايا الذاكرة واللجوء وتوثيق التراث (ثبات الهوية)، لتؤكد أن الفلسطيني لا يعيش في المكان فحسب، بل إن المكان يعيش فيه.

خاتمة المقال

من خلال هذا الرصد والتفكيك لنماذج من النص المسرحي الفلسطيني لدى رياض خطيب، عفيف شليوط، طارق السيد، ومحمود صبح، وسامية قزموز بكري و نخلص إلى أن الدراما الفلسطينية نجحت باقتدار في خلق توازن دقيق ومبدع بين "ثبات الهوية" و"التجديد الفني".

لقد ثبتت الهوية من خلال الالتزام بقضايا الأرض والذاكرة كما تجلى في توصيات رياض خطيب لحفيدته نينار. وثبتت عبر التوثيق المؤلم لمأساة النكبة والاغتصاب والتشريد كما في شخصية "صالحة" لمحمود صبح.  ومسرحية الزاروب لسامية قزموز بكري في المقابل، تحقق التجديد عبر تفكيك الخطاب الديكتاتوري باستخدام الكوميديا السوداء والعبث كما في نصوص عفيف شليوط، واستدعاء الأسطورة العالمية (أنتيغوني) لتعرية جرائم الشرف والواقع السياسي المأزوم. كما تجلى التجديد في توظيف التاريخ الصوفي لخلق مسرحية اشتباك سياسي وفلسفي مع السلطة، كما أبدع طارق السيد في استحضار "الحلاج".

إن هذا التنوع الأسلوبي، رغم أزمة غياب الاحتراف المؤسساتي واعتماد الكتاب على نهج "الفنان الشامل"، يؤكد أن النص المسرحي الفلسطيني يمتلك مرونة هائلة، قادرة على استيعاب المأساة الخاصة وطرحها في قوالب درامية إنسانية وكونية عابرة للحدود.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت