تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
أكثر مِن سبب لقراءة الروايات
بقلم:ناجي ظاهر
أقرّ بدايةً أنني قارئ نهم ولا أملّ من خير جليس في الانام، بل إنني سعيت طوال الوقت، وأسعى وسوف اسعى، للبحث عن كتاب جديد اقرأه فيضيف إلي ويجعل من ذاته قرينًا لأعز مكان في الدنى. وأذكر بكثير مِن المحبّة أنني أميل إلى قراءة الروايات، لما تُضيفه إلىّ من مشاعر، ولما تجود به علي من تجارب، أعتقد أننا مجتمعين نحتاج إليها وإلى مُعايشتها مُعايشة الصديق لصديقه والوليف لوليفه العزيز الغالي. لقد قرأت في بدايات حياتي ووعي الأول العشرات وربّما المئات من الروايات وقد واصلت قراءتي هذه حتى بات بإمكاني القول، إنك من الأفضل أن تسألني، إذا اردت بالطبع، لمن لم تقرأ من الروائيين المعروفين في شتى اللغات وشتى أصقاع العالم.
منذ قراءتي الرواية الأولى، مُختصرةً أو كاملة، انشددتُ إلى قراءة الروايات، وكان أكثر ما شدُّني ويجذبُني بقوة، اكاد أقول تُشبه السحر، هو التجرِبة الإنسانية التي تضمّنها ما قرأته من الروايات، وأفصّل فأقول: إننا عادة ما نلتقي في الروايات بشخصيات نعرف أنها مُتخيّلة، لكننا نعرف إلى جانب هذا، أنها كاملة متكاملة وأن هناك خيالًا خصبًا قام بتشكيلها وتقديمها بكلّ ما تحتويه من نبض وحياة. وذلك خلافًا للشخصيات التي نلتقي بها في الحياة اليومية المعيشة، ولا نعرف مهما حاولنا، أن نتعرّف عليها تمام التعرُّف، كما يحصل معنا، في الشخصيات التي يبرع الروائي الماهر في تكوينها وتشكيلها بحيث تبات حيّةً، نابضةً ضاجّةً بالحياة، بالأفكار والرؤى والامنيات. لإيضاح هذا أقول لكم اقرأوا ثلاثية نجيب محفوظ، ستلتقون سي السيد وأولاده وكأنما هُم من أولئك الناس الذين يمكنكم أن تتوقعوا وربّما أن تجزموا بإمكانية أن يكونوا من اصدقائكم المقربين. اقرأوا أيضًا رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، لتتعرّفوا إلى شخصيتها البارزة ممثلة براسكولنيكوف وسونيا، اقرأوا إضافة إلى هذا رواية الياطر لحنا مينة كي تتصادقوا مع بطلها الهُمام زكريا المرسنلي. إن مَن يتعرّف على هاته الشخصيات لا يمكنه أن ينساها وتبقى حاضرة في ذهنه كلّما واجهته مُشكلة مشابهة لما واجهوه من مشاكل، أو امرأة استعصت عليه، مثل الراعية شكيبة في الرواية، وتوصّل معها الى النهاية المرضية.
الأسباب لقراءتنا الروايات كثيرة بالطبع، فنحن امام الدفق الروائي الحيّ، والمفترض أولا وقبل كلّ شيء، ندرك أن هناك أسبابًا أقوى مِن سواها وأكثر جذبًا، يقف في طليعة هذه الأسباب، بالنسبة لي بالطبع، ما تُدخله الروايةُ إليّ مِن أحاسيس إنسانية ترهّف من شخصيتي وتجعلني اكثر حنوًّا على اخواني وأخواتي تحديدًا من بني البشر، توضيحا لهذا أتوجه الى الرواية البارزة آنا كارينينا للكاتب الروسي ليو تولستوي، أو إلى رواية أخرى تتقاطع معها هي مدام بوفاري للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير، أو رواية خضراء كالمستنقعات للكاتب السوري هاني الراهب، ففي كلّ مِن هاته الروايات نلتقي بشخصيات نسائية تبحث عن ذاتها، وتبذُل كلّ جُهد ممكن لأن تحقّق ذاتَها، فتُقيم العلاقة بهذا الشكل او ذاك، بشخصية تروق لها، غير أنها ما تلبث أن تكتشف خطأها المُميت، فلا يكون أمامها سوى وضع حدّ لمعاناتها، وباستثناء شخصية رواية هاني الراهب، التي التزمت إلى حدٍّ ما بمُعطيات الحياة العربية، فإننا نلتقي بشخصيتي روايتي تولستوي وفلوبير، لقاءً إشكاليا مِن طِرازٍ مُدهش، طِرازٍ نِسويّ يبحث عن ذاته موقظًا العالم وواضعا تجربته القاتلة المُعبّرة والمؤثرة بين يديه. هذا النوع من الروايات ومثله كثير في الآداب الأجنبية، يؤدي خدمة جليلة لإنسانيتنا، وأنا لا أعتقد أن يُمكن لقارئ أن يطّلع على تفاصيل ما حدث في هاته الروايات وأمثالها لا سيما فيما يتعلق بالمرأة، ويبقى كما هو. إنها روايات تُساهم في إحداث تغيّرات وتبدّلات جذرية في ذهنية من يقرأها ويطّلع عليها. وأنا خير مثال، فقد جعلت مني إنسانا مُتصالحًا مع نفسي ولا أحكم على الأخريات غيابيا، بل لا أبالغ إذا ما قلت إنني كثيرًا ما أرى في وجه امرأة مظلومة وجهَ انا كاريننا أو مدام بوفاري.
مِن أسباب قراءتي الروايات، وهي وفيرة، أود أن أتوقّف عند سبب أراه غايةً في الأهمية، يتمثّل في الاعتراف بالآخر، ورؤيته على اعتبار أنه إنسان مثل كلّ الناس ولا يختلف عنهم، إنه مثلك ومثلي، ويحقُّ له أن يعيش مثله في ذلك مثل غيره، وهنا أتذكّر عددًا من الروايات منها زهرة العمر لتوفيق الحكيم، اديب لطه حسين ، الحي اللاتيني لسهيل ادريس وموسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح، إننا في كلّ هاته الروايات نلتقي شخصياتٍ تعيشُ حالة اللقاء بالآخر المُختلف، وتُحاول إيجاد الآصرة التي يمكن أن تربط ما بينهما، وذلك عبر إثارة السؤال، فالأدب كما تثبت التجارب، يُثير الأسئلة ولا يُقدّمُ الأجوبةَ بصورة عامّة، ولعلّي لا استطرد كثيرًا إذا ما عقّبت على هذا قائلًا إن السؤال عادة ما يكون واحدًا في حين أن الجواب يختلف من قارئ لآخر. في كلّ الأحوال تطرح هاته الروايات التي تطرق أبواب الآخر بقوة، مسألة التعايش معه والاعتراف به، بقوة تجعلنا نفكّر أكثر مِن مرّة في كيفية سلبيتنا تجاه الآخر المختلف ضمن محاولة لجعلها إيجابية، إنسانية وذات أفق أوسع مما كنّا عليه قبل قراءتنا هذه الاعمال الروائية.
إن قراءة الروايات، ولا نشمل بهذا، كلّ ما يُكتب مِن أعمال روائية، فهناك في العالم الروائي الزاخر، ما هو حقيقيّ وانساني، وفي المقابل يوجد هناك ما هو زائف ولا يستحق ان نقرأه. إذا اتفقنا على هذا، يمكننا القول إن قراءتنا الروايات تغني في المجمل تجربتنا الحياتية، وتضعُنا في مواجهة شخصيات افتراضية مُتخيّلة لكنها حافله بالحياة، نابضة بها، إن قراءتنا الروايات تُرقّق نظرتنا إلى الحياة وتدفعنا إلى احترام الآخر وتقديره، ناهيك عن أنها تفيدنا عبر تعمّقها في تقديمها التجربة الإنسانية عبر التسلية والفائدة.
