X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
فنجان ثقافة
اضف تعقيب
30/09/2026 - 09:34:39 am
الحُلم الأكبر بقلم:ناجي ظاهر

الحُلم الأكبر
بقلم:ناجي ظاهر


جسّد الكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور في حياته ورحيلة المُفجع يوم السبت، الثامن والعشرين من أيلول ٢٠٢٤، حالةَ مُناضل وكاتب فلسطينيّ، حمل هموم شعبه، قضيته ومُعاناته اليومية، وتنقل بها، في كل مكان حلّ فيه وحطّ رحاله المُثقلة بالكثير مِن الآلام، الآمال والاحزان، وقام بالتالي بتسجيلها، وكأنما هو يُريد أن يُحافظ على ذاكرته وذاكرات قرائه من أبناء شعبه كي تبقى خضراء يانعة، وقد عُرف عنه أنه كان زاهدًا مُتعبّدًا في ملكوت قضيّته، لا يُهادن ولا يُجامل، وينتقد كلّ مَن يدنو مِن حُرمة قضيته  الاولى، قضية شعبه المُشرّد في شتى بقاع العالم، وحتى في بلاده ذاتها، ويلمس مَن يقرأ القليل مِن الكثير الذي وضعه هذا الكاتب المُلتزم أخلاقيًا وإنسانيًا، إلى أنه اتخذ مِن حياته الشخصية وسيرته الذاتية، محورًا لمُعظم ما كتب ونشر مِن روايات، قصص قصيرة، ويوميات، إذا لم يكن لها كلّها.
تمّت معرفتي الاولى بهذا الكاتب الشُجاع الجريء، قبل نحو رُبع القرن مِن الزمان، عندما قامت مؤسسة الاسوار-عكا، بإدارة الصديق العزيز الكاتب الشاعر يعقوب حجازي، بطباعة روايته النقدية، فيما أذكر البكاء على صدر الحبيبة، تلك الرواية التي أعلن فيها غضبه العارم وحُنقه اللاهب على كلّ مَن يُسيء، مِن وُجهة نظره بالطبع، إلى قضيته، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، ولو بموقف أو تصريح. بعدها قرأت مجموعة قصصية له. في الفترات التالية، ربطتني به صداقة فيسبوكية، وقد بقيت افتراضية حتى يومه الأخير في الحياة، وعادة ما كنت أتابع باهتمام شديد ما يكتبه وينشره مِن آراء وأفكار، وأعمال أدبية قصيرة، وقد توقّفت طويلًا ومديدًا أمام كتاباته هذه مُتمعّنا مُتأمّلًا، لما لمسته فيها مِن إيمان ذاتيّ يرنو طوال الوقت لأن يتحوّل إلى إيمان جماعي، يتمثّل في إقناع كلّ مَن يُحبه ويرضى عنه، بأن يتبنى قضيته الشخصية، قضية شعبه، رجاءً وأملًا في أن تضحي هذه القضية، قضية الجميع. وقد تواصلتْ مُتابعاتي هذه له، إلى أن ابتدأت أرى إلى أصدقائه وأحبائه يتوافدون لزيارته في مشفاه القائم في العاصمة الأردنية عمّان، فشعرتُ أن شبح الموت قد اقترب منه كثيرًا، وطالما تمعّنت فيه وهو مُستلقٍ على فِراش المرض وحوله الرفاق كأنهم لهب تمنطق بالحديد، لا أخفي أن شيئًا مِن القلق قد استولى عليّ، وبقيت أتابعه باهتمام شديد، إلى أن جاء النبأ العظيم، ففزعتُ منه بآمالي إلى الكذب.
تنطوي برحيل هذا الكاتب الوطني التقدّمي، صفحةٌ مُشرقةٌ مَن صفحات إنساننا الفلسطيني من ناحية، وتجربة كاتب سكنه همُّ بلاده منذ اليوم الأول لتفتح وعيه المشرف الرشيد، حتى يومه الأخير من ناحية أخرى، وبإمكان مَن يُتابع المحطّات الكثيرة التي تنقّل عبرها من بلدته ذكرين، الواقعة في مِنطقة الخليل، والتحاقه بصفوف النضال الفلسطيني، وصولًا إلى بيروت، وخروجه منها مع مَن خرج بعد احداث عام 82، إضافة إلى مَن يُتابع المواقع الثقافية والسياسية التي تسنمها، مِن ناحية، ومن ناحية ثانية مَن يُتابع أي كلمة أو حرف مِن كتاباته الأدبية، ومنها رواياته في مقدمتها العشاق، وكتاباته عن ذكرياته، أقول بإمكان مَن يُتابعه في هذا كله، أن يُسجّل له بحروف مِن عرفان، أنه بقي أمينًا لمبادئه التي نشأ عليها، شب وشاخ، عمل في سبيلها وقضى من أجلها، أنه عاش هُموم شعبه مِن أعلى الراس حتى أخمص القدم كما يقال. 
لقد دفعت مُعايشة كاتبنا الراحل هذه به إلى أتون الصراعات السياسية الضارية، ونحن إذا ما اتفقنا على أنه كتب أدب السيرة الذاتية، الذي، فرضته عليه ظروفه، وفرضها هو بالتالي على نفسه، إيمانًا وأملًا، فإننا سنرى أن كتاباته، خاصة ما تمكّنا مِن الوصول اليه وقراءته، إنما تراوح بين أمرين، أحدهما الهمّ الوطني، لا أقول السياسي فحسب، والآخر الهم الإبداعي. فيما يتعلّق بالأول، أتذكر ما قاله شاعرُ مثقف كبيرُ راحل من بلادي، عندما سألته لماذا كتب بمباشرة يمجّها الادب، فردّ عليّ قائلًا إنه لم يكن أمامه وأمام أبناء جيله مِن مفر، سوى الكتابة بذلك النوع من المباشرة، "فنحن لم نعش حياتنا اليومية العادية.. كما عاشها أبناء الشعوب الرافلة بأثواب السلام والناعمة بالهدوء والاستقرار"، أكد لي. أما فيما يتعلّق بالعملية الإبداعية ذاتها، فقد كتب راحلُنا الكريم مُلتصقًا بالسيرة الشخصية أولًا والسيرة العامة لأبناء شعبه ثانيًا، ماذا أريد أن أقول مِن وراء هذا؟.. أريد أن أقول بوضوح إنه قد أدخل، جرّاء مُعايشته اليومية لقضية شعبه، أكثر قليلًا مما اعتاد الكتّاب أن يُدخلوه مِن سيرهم الشخصية.. فيما يكتبونه وينشرونه. وهو الامر الذي قرّب الإنتاج الادبي بكلّ ما حفلَ بهِ مِن تنوّع إجناسي، مِن التجربة الذاتية والعامة في نفس الوقت، أما مِن النواحي الإبداعية، فقد حرص كاتبنُا على ابتداع عوالمه الأدبية بأكبر ما أمكنه مِن حرفية، غلفها حُبّ كبير للأرض والانسان.
أما عن الإنتاج الادبي الكمّي، فقد كتب فقيدُنا الغالي العديد مِن الروايات، والمجاميع القصصية، وكتب الذكريات، إضافة إلى الكثير.. الكثير مِن المقالات الأدبية والسياسية، وهو ما يؤكد، مرةً أخرى، أنه كان مَسكونًا بقضية شعبه، بالصورتين.. العامّة والخاصة، وها أنذا أحيل مَن يُريد التوسّع في الاطلاع على كتاباته الغزيرة، إلى شبكة البحث الالكترونية العنكبوتية جوجل، ففيها ما يكفي ويوفّي، مِن المعلومات العامّة والخاصة، التي حفلت بها العديد من الكتابات، في حياته وبعد رحيله، وإذا كان لي من كلمة أود أن أقولها الآن، فهي ان فقيدنا رحل عن عمر ناهز الثانية والثمانين من عمره المٌبارك، كما أنه خلّف وراءه نتاجًا أدبيًا حافلًا بالهُموم العامّة لشعبه والهُموم الشخصية التي ذاق لسع كرابيجها على جلده. لقد ولّى رشاد أبو شاور ماضيًا في الطريق النهائي لحياته، مخلّفًا وراءه مؤلفاته وذكرياته و..حُلمه الكبير.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت