X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
اجتماعيات
اضف تعقيب
27/06/2025 - 01:42:40 pm
أمباذوقليس النصراوي بقلم:ناجي ظاهر

أمباذوقليس النصراوي

بقلم:ناجي ظاهر

تمتّع الصديق المرحوم فيصل محمد علي عبد المعطي (1933- 29-4-2021)، بشخصية ذات رؤية ورأي اتصفا بالعمق والحدة، وقد عبّر عن نفسه بوضوح وجلاء، دون اية جلبة او ضجيج، وعندما كنت اقول له خلال حياته انني سأكتب عنه، كان يرفض بالقطع، قائلًا انه لا يحب ان يعرفه احد، إلا بشخصه العائش الماثل امامه، ويبدو ان رؤيته هذه لذاته جعلته يمارس الرسم وينتج فيه اعمالًا اعتقد انها احتوت عمقًا نادرًا قلّ ما شاهدناه فيما انتجه المعروفون وغير المعروفين من فنانينا العرب في هذه البلاد. كان فيصل باختصار شخصيةً مُعتمةً تُشبه تلك التي وصفها الدارسون عندما تحدّثوا عن الفيلسوف الاغريقي القديم امباذوقليس (من 490 ق.م إلى 430 ق.م)، ذلك الفيلسوف الذي وضع حدًا لحياته بقذفه نفسَه في بركان فيزوف، ليتحد بالتالي بالنار هاربًا من الظلام الذي احاط به وبعقله من كل جانب على ما ارى.

فيصل محمد علي من مواليد قرية صفورية قبل ثمانية وثمانين عامًا، وهو الاخ الاصغر للشاعر الصديق المرحوم طه محمد علي ( من مواليد صفورية عام 1931 ، توفي في 2 تشرين الاول 2011 في مدينة الناصرة، ولهما شقيق آخر رحل بعدهما هو امين محمد علي وهو الاصغر بينهما، ومما يذكر عن هذا الأخير انه شغل خلال فترة من حياته منصب رئيس لجنة المهجرين القطرية في البلاد. وفدت عائلة عبد المعطي من قريتها صفورية عام النكبة 48، الى الناصرة للإقامة فيها، وفي هذه المدينة المضياف اقاموا في البداية في بيت قام في منطقة السوق، من الأوقاف الذرية لعائلة الفاهوم، وهو بالمناسبة البيت الذي سبق وإقامت فيه مع عائلتها الكاتبة الشهيرة مي زيادة. بعدها ابتدأوا بهمة، نشاط وذكاء في التأسيس لحياة جديدة، فحالفهم الحظ، ليفتتح كل منهم حانوتًا لبيع التذكاريات النصراوية للسياح من زائري المدينة او المترددين عليها. وقد ربطتني بالأشقاء الثلاثة من هذه العائلة المباركة علاقة تفاوتت في عمقها ومعناها، لا سيما بالأخوين الاكبرين طه وفيصل، أما فترة علاقتي بهم فقد قاربت العشرين عامًا، كان هذا قبل نحو العقدين من الزمن.

اتصفت علاقتي بكل من الشقيقين طه وفيصل بميزة خاصة، ففي حين كانت هذه العلاقة بطه علاقة المستمع المُحب بما يجود به من دُرر كلامية حافلة بالمودّة، كانت علاقتي بفيصل تتمثل بالتواصل العقلي المندهش، دائم الدهشة، فهو صاحب رأي مختلف، يتصف بالعمق والامعان في التفكير، وربما كان يكفي هنا أن اشير إلى عددٍ من الوقائع التي تدل على ذكائه وسعة افقه، بعض هذه المواقف كنت شاهدًا عليها وبعضها الآخر استمعت إليه منه.

*عندما كانا فتيين صغيرين يجوبان ربوع قريتهما صفورية، توقّف فيصل- كما قال لي- قُبالة طه وجها لوجه وقال له انني قادرٌ على اقناعك بكل ما اريد، فردّ عليه طه سائلًا اياه هل يمكنك ان تقنعني أن نور النهار يمكن ان يكون ظلامًا؟ فهز فيصل رأسه قائلا له نعم استطيع ان اقنعك بهذا. عندها استفزه طه سائلًا اياه كيف. فما كان من فيصل إلا ان قال له اغمض عينيك.. ماذا ترى.. غير الظلام؟.. في هذا السياق كان فيصل يقول: إن الابواب المفتوحة اخطر من تلك المغلقة، لأن المفتوحة تدُل على شجاعة مُشرعها.. في حين أن المغلقة تدُل على خوف متأصل لدى من يقف وراءها.

*كنّا، فيصل وانا نجلس معًا في حانوته لبيع التذكاريات، عندما اقترب منًا صديقٌ لي لم يكن فيصل يعرفه، وأخذ – الصديق- يمتدح إحدى الدول الاوروبية مشيرًا إلى أنه قضى عقدًا من الزمن فيها من اطيب سني عمره وافضلها، وراح يكيل المديح لتلك الدولة، في حين رحت اراقب ماذا سيقول فيصل، رفع فيصل يده وسأل محدّثنا: هل أفهم منك أن تلك الدولة تختلف عن سواها؟ واردف مفجرًا قنبلةً كلامية اعتدنا على شظاياها الحادّة خلال علاقتنا به، قال: اعني هل تنبت ثمار البطاطا على الاشجار هناك. ما ان سمع محدّثنا الفخور ما قاله فيصل، حتى بدا عليه الضغط وارتفاع الضغط. قطب ما بين حاجبيه. شدّ على يده. انطوى على نفسه. وفي اول لحظة سانحة انسحب فارًا من ورطة قتّالة ادخل نفسه فيها دون ان يدري.  

*كان فيصل يصوغ الحكايات واحدةً تلو الاخرى، وكانت حكاياته حافلة بالأحاجي والالغاز وتفيض ذكاءً، منها حكاية عن رجل اخضر. ظل يبحث عن نفسه في الألوان المختلفة ولم يجدها الا في اللون الاخضر. على ما اتذكر. المستمعون لفيصل كانوا قلة من الاصدقاء، وكان بينهم كاتبٌ نثري وآخر شاعري، استوقفني فيصل في إحدى الاماسي قريبًا من ضوء حانوته وهمس في اذني قائلًا: انه كان كلما روى واحدة من حكاياته لصديقيه المبدعين هذين، كان كل منهما يبادر لتسجيل ملاحظاته كي يقوم بصياغتها فيما بعد على طريقته الخاصة. واضاف انه قبل قليل روى لصديقه هذين واحدة من قصصه وبنات افكاره. فسارع كل منهما لتسجيل ملاحظاته عليها.. كي يكتباها كلٌ بطريقته. فاستمهلهما ساخرًا منهما حتى ينهي الحكاية.

لقد عاش فيصل رحمه الله، حياةً صاخبة متنقلًا بين عوالمه الداخلية والخارجية، راويًا حكاياته لمن يستحق الاستماع إليها، كما قال في أكثر من موقف ومناسبة، وقد مارس الفن التشكيلي ووضع لوحاتٍ لافتةً آثر الا يشرك أحدًا غريبا في مشاهدتها، لوحاتٍ مميزةً غلب عليها اللون الاسود، وبزغت من اعماقها اشراقاتُ أملٍ بيضاء. فهل سيُقيّض لهذه اللوحات إن ترى نور الحياة ويشاهدها الناس؟ أم انها ستبقى رهينة العتمة التي عاش فيها صاحبها طوال عمره؟ ثم هل سيأتي يومٌ يكتشف فيه باحثون ومنقبون فنانًا غير عادي يُدعى فيصل محمد علي. مثلما حدث عندما اكتشف آخرون من هؤلاء الشاعر اليوناني الذي عاش وقضى في الاسكندرية قسطنيطين كافافيس.. المتخفّي الباحث عن مكان يرتاح فيه.. ذلك الشاعر الذي كتب قصيدةً لافتة عن البرابرة؟ ارجو هذا.. وان كان حلمًا بعيدًا قصيًا في بلادنا قاسية القلب فظته.

*رحم الله فيصل فقد رحل قبل أربع سنوات. وهذه المقالة تأتي بهذه الذكرى.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت