تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
(عشر سنوات على رحيله)
بقلم:مرزوق الحلبي
سلمان ناطور، اسم شخص عرفته، اسم أكبر من حروفه، اسم هو رمز لشيء كبير، لقضيّة عادلة. رمز للكلمة والكتابة والأدب ولأنواع أدبيّة. هو اسم للشخصيّة الحواريّة للإنسان الذي ارتقى بفكره وسلوكه إلى إنسانيّة مُشرقة.
عرفته يوم كنتُ في الصف الحادي عشر. كان هو مسؤول الخليّة الشيوعيّة في دالية الكرمل وأنا والصديق أسعد أبو الزرف على عتبة التأهّل لدخول صفوف الشبيبة الشيوعيّة. وقد دخلنا من "بوابة سلمان" إذا صحّ التعبير. قلنا له شكرا ودخلنا.
وعرفته أكثر يوم فُرضت عليه الإقامة الإجباريّة على نضاله من أجل أهل الجولان في إضرابهم التاريخي، يوم حاول الاحتلال فرض الهويّة الإسرائيلية عليهم فرفضوها ونفّذوا إضرابًا لستة أشهر في العام 1982. كان الناطق بلسانهم في الإعلام الإسرائيلي والمؤتمرات وحامل قضيّتهم العادلة. يومها، عرفت معنى أن يكون المبدع شامخًا وذا عنفوان. يومها عرفت كيف للكاتب أن يقف وحده ويبتسم رغم الضغوط ورغم التجبّر. أن يكون قادرا على السخرية من قاهره. أن يظلّ هناك في موقعه وموقفه عنوانًا لمقاومة ناعمة ـ قول "لا" في وجه الظلم والظالمين.
وعرفته في سفراتنا إلى حيفا. هو إلى مكاتب الجديد وأنا إلى مكاتب الاتحاد. وفي سفراتنا إلى اجتماعات سكرتارية لجنة المبادرة مرّة في مقرّها في يركا ومرّة في بيت الرفيق الراحل سهيل قبلان أبو مروان. ساعات طويلة على طرقات البلاد. وسنوات على الطريق ذاتها.
الصفات التي تحلّى بها أتت منه وليس من خارجه. فهو صانعها بامتياز وهو الذي طوّرها وصقلها. لم يكن مستهلكًا للحياة بل صانعها. كان يكتبها بنفسه ويدوّنها حرفًا حرفًا. يصنع الأفكار والصور والقيَم والمعاني ويزفّها لنا. هكذا إن كتب المقالة أو القصّة أو الخاطرة أو الرواية، هكذا في العربيّة وفي العبرية، في ندوة أو في مؤتمر. سمعته مرّات لا تعدّ وقرأته مرّات لا تعدّ وفي كلّ مرّة أسمع أشياء جديدة وأفكار جديدة. كان بمقدوره أن يُضيف إليك في كل لقاء شيئا لم تعرفه، قولًا لم تسمعه. على طريقة المبدعين الحقيقيين الذي أتى إلى الإبداع من قضيّة وليس من سأم، من فكرة مُشرقة وليس من حبّ الظهور، معن المعاني العميقة للوجود وليس من وجود عابر، من اجتهاد وتعب وليس من كسل ومزاج.
ولأنّه ابن بلدي أيضًا فقد عرفته كابن بلد. يهمّه المكان الصغير كجزء من المكان الكبير. يربط بين الحدث في الدالية وبينه في أبعد نُقطة من الكون. يعيش الحياة ببساطة تامة كباقي الناس. له ما لهم وعليه ما عليهم. يُشاركهم الحياة كما هي ليس كأستاذ ولا واعظ ولا مُبدع، ابن بلد في كلّ شيء.
وعرفته زوجًا وأبًا لعائلة يعيش فيها كأنه ليس كاتبًا ولا مُبدعًا. يُعطيها ما يستطيع وأكثر. فهو على أي حال رمز. وقد وهبها رمزيّته وأورثها ذلك. وهي ـ العائلة ـ حملت ذلك بشرف وفخر. سلمان لا يزال في إياس وإيناس ومراس وغدير وفي الزوجة ندى، التي نتمنى لها مديد العمر والعافية. أصادفه في كل واحد وواحدة على نحو ما وبطريقة ما. صحيح أن لكل منهم.ن مسيرته الخاصة ومنجزاته، بيد أنني ألمح سلمان هناك بمعانيه ودلالات اسمه وأفكاره المُشرقة.
يُخلص بعض المبدعين للإبداع فينعزلون ويعيشون وحيدين مع نصوصهم. أمّا سلمان فقد عاش الدب والحياة بكامل ما فيهما من واجبات. أو لنقل هو من القلّة ـ من المبدعين ـ الذين لا تجد أي مسافة بين ما يكتبه وبين ما يعيشه. هو في الكتابة مثله في الحياة. يسعى إلى تجسيد المعاني التي يكتب عنها في علاقاته اليوميّة بالآخرين. من هنا التصاق لقب الأديب به. فقد كان أديبًا فعلًا وقولًا.
كان سلمان شخصيّة حواريّة إلى أبعد الحدود منفتحًا متقبّلًا للاختلاف والتعدّد كما يليق بمثقّف متنوّر. كان مستعدًّا للحوار مع الآخرين، مع المجتمع اليهودي، مع الذين ليسوا من ثقافته. عرف تمامًا كيف يجعل من هويّته منارة أو ميناء مفتوحًا لا قلعة مُغلقة. من هنا صداقاته في المجتمع العبري وانتقال أدبه إلى العبريّة عبر الترجمة أو مشاركاته الواسعة في حلقات ثقافية على مستوى البلاد.
على عادة المبدع الجذريّ حمل سلمان قضيّة فلسطين العادلة معه إلى كلّ مكان. فالعدل لا يتجزّا ولا القضايا الثقافية والأخلاقيّة. سعى إلى الارتقاء في أدبه لتصير قضيّة عالمية. فقد كان ساردها وراويها بامتياز وبجمالية آسرة. من هنا مكانته في ساحة الأدب الفلسطيني والعربي.
حضور سلمان متعدّد الأشكال في حياتنا بعد سنوات على رحيله. وهناك في رأيي أهمّية خاصة في أن نحفظ له هذا الحضور المتعدّد فلا نختزله بجملة قالها هنا أو نص كتبه هناك. ألّا نتكاسل فنقرأه من خلال نُقطة في الزمن. فهو سيرة ومسيرة كاملتان. وهو كلّ هذه الأطياف وكلّ نصوصه وكلّ إرثه وكلّ رمزيّته. أكبر مما نكتبه عنه وأعلى من أن يُستغلّ اسمه ويًزجّ في نصوص ركيكة أو تافهة.
م. الحلبي
برلين 16 شباط 2026
