تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
أن تكون الكلمة بيتًا للتيه: قراءة في قصيدة “أن أتذكّر” لبنيامين حيدر
بقلم: رانية مرجية
ثمة نصوص لا تُقرأ، بل تُقام فينا كطقس صامت لا يحتاج إلى تفسير بقدر ما يحتاج إلى إنصات. هذا ما شعرت به وأنا أستظلّ بظل الكلمات في نص الشاعر بنيامين حيدر، نصه الذي لا يحاول أن يدوّن العالم بل أن يتفلّت منه، لا ليهرب، بل ليحيا بتفاصيله الصغيرة، بوجعه الصافي، بثقله الخفيف.
“أن أتذكّر
أن أنسى
لا يهم”
— هنا تبدأ المفارقة. لا شيء يُقرَّر، لا شيء يُفرض. كلّ شيء في هذا النص متروك لمجراه الطبيعي. التذكّر ليس بطولة، والنسيان ليس خيانة. إنها قصيدة تؤمن بأن الأشياء تمضي، سواء احتفظنا بها أم أسقطناها عمداً على قارعة الطريق.
في هذه القصيدة، يعلن الشاعر تمرّده على أرشفة الحياة. إنه لا يريد أن يحمل دفترًا ولا أن يعلّق خارطةً على جدار الزمن. ما يكتبه، يكتبه ليخفيه. وما يخفيه، لا يندم عليه. يكتب ليختفي، لا ليظهر.
“أنا لا أجيد تدوين التفاصيل
لكنني أحفظ ارتجافة الضوء على الجدران”
ما أجمل هذا الاعتراف، وما أصدقه! الشاعر لا يدّعي امتلاك الحكاية، لكنه يتقن الإصغاء إلى ما يختبئ خلفها: الظلال، الروائح، الارتجافات. لا حاجة هنا إلى الأحداث الكبيرة، فالعظمة في هذا النص تكمن في اقتناص اللحظات الهاربة، في الذاكرة التي تُبقي على “رائحة من رحلوا، معلّقة في اللاشيء”.
هذه القصيدة ليست مديحًا للحنين، بل هي نَفَسُ من اختبر الحنين وانسحب منه برفق. نصّ لا ينتمي للمكان، ولا يقيم وزناً للزمن، بل يتعلّق بما هو أكثر هشاشة وصدقًا: محاولة العيش بخفة، كما يقول:
“أنا فقط أحاول أن أكون
بلا وزن، بلا ظل
كحرفٍ تائهٍ في منتصف المعنى”
هنا تبلغ القصيدة ذروتها التأملية. فأن تكون بلا وزن، لا يعني الاختفاء، بل التحرر. أن تكون بلا ظل، لا يعني الغياب، بل التفلّت من المراقبة. والشاعر لا يتوق إلى الوصول بقدر ما يتوق إلى البقاء في حالة بحث، حالة تَيه، تمامًا كما وصف نفسه: “كحرفٍ تائهٍ في منتصف المعنى”.
بنيامين حيدر لا يكتب ليفسر العالم بل ليُبقيه مفتوحًا، متصدّعًا، قابلًا للعيش من جديد في كل قراءة. نصه دعوة للسكينة، لا اليأس، وللتأمل، لا البكاء. نصّ يصلح لأن نضعه تحت وسادتنا، لا لنحفظه، بل لنحلم به.
