X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
14/09/2025 - 10:12:50 am
المنافقون بقلم: رانية مرجية

المنافقون

بقلم: رانية مرجية
 

المشهد الأول: قدوم المتلونين

في وادٍ فسيحٍ بين جبال شاهقة، قامت مدينة تُدعى “النور”. كان أهلها يعيشون بسلام، يجتمعون في الساحات عند الغروب ليتبادلوا الخبز والحكايات، وكانت كلمة الواحد منهم بمثابة عهدٍ لا ينكسر.

لكن ذات يوم، دخل على المدينة قومٌ جدد. لم يحملوا سيوفًا ولا أسلحة، بل جاءوا بوجوهٍ بشوشة وكلماتٍ ملساء. قالوا إنهم أحباب، وإنهم يريدون الخير للجميع. رحّب بهم أهل المدينة ببساطة قلوبهم، فلم يعرفوا أن هؤلاء ليسوا أصدقاء ولا أعداء… بل منافقون.

المشهد الثاني: لعبة الأقنعة

كان المنافقون يشبهون الماء، يتخذون شكل الإناء الذي يوضعون فيه. أمام القويّ تذلّلوا، وأمام الضعيف تودّدوا. لم يكن لهم لون ثابت ولا رأي راسخ، بل كانوا يغيّرون مواقفهم كما يغيّر الليل ثوبه عند الفجر.

في مجالس الحكم، مدحوا الحاكم حتى ظنّ نفسه عادلًا. وفي مجالس العامة، انتقدوا الظلم حتى حسبهم الناس أنبياء. وإذا ما اجتمع الحاكم والعامة، صمتوا صمتًا يُشبه الحكمة، لكنه لم يكن سوى خوفٍ يُخفي خيانة.

لم يضرب المنافقون حجرًا واحدًا في أسوار المدينة، لكنهم هدموا شيئًا أعمق: الثقة. زرعوا بين الإخوة الشكوك، وبثّوا بين الجيران الغيرة، حتى صارت المدينة التي كانت موحّدة كالجسد، متفرقة كالأشلاء.

المشهد الثالث: العاصفة الكبرى

وفي ليلةٍ داكنة، هبّت على المدينة عاصفة لم يشهد مثلها أحد. الريح اقتلعت الأبواب، والمطر أغرق الشوارع، والجميع هرع إلى الساحة الكبرى طلبًا للنجاة. هناك، كان لا بد أن يظهر كل امرئ على حقيقته.

الصادقون وقفوا متكاتفين، يحملون بعضهم بعضًا، يقاتلون العاصفة بأذرعٍ مفتوحة وقلوبٍ لا تخاف. أما المنافقون، فقد ارتبكوا، تبدلت وجوههم كما تتبدل المرايا في الظلام. كل واحدٍ منهم حاول أن يُرضي الجميع فلم يُرضِ أحدًا. سقطت الأقنعة، فإذا وجوه خاوية، وعيون زائغة، وكلمات كالرماد في مهب الريح.

عندها أدرك أهل المدينة أن الخطر لم يكن في العاصفة، بل في المنافقين الذين أضعفوا الروح قبل أن يضعف الجسد. فالعاصفة تمرّ، لكن أثر النفاق يبقى إن لم يُطرد من الجذور.

الخاتمة: الحكمة الباقية

منذ تلك الليلة، علّم أهل “النور” أبناءهم أن أشد الأعداء ليس من يأتي بوجهٍ مكشوف، بل من يلبس ألف قناع. وأن النفاق ليس مجرد كذب، بل خيانة بطيئة للروح، وهدمٌ صامت لأساس المجتمع.

فالحياة تحت سيفٍ عادل أهون من الحياة تحت ابتسامةٍ كاذبة. والمدينة التي تحرسها قلوب صادقة، لا تهزمها عواصف الأرض ولا جيوش السماء.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت