تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
وأنا المتَّهَم وإن أحببتُ بلدي
شعر: بنيامين حيدر
وأنا المتَّهَم
وإن أحببتُ بلدي
لا طمعًا ولا شعارًا ولا مصلحة،
وطرَّزتُ لها القصائد
من وجعي
من خوفي
من صبري الطويل.
أنا المتَّهَم
وإن أحببتُ
كما يُحبّ الجريحُ ضمادَه الأخير،
وكما يتعلّق الغريقُ باسمٍ واحد
في آخر النَّفَس.
أنا المتَّهَم
لأنّي قلتُ إنّ الأرضَ أمّ،
وإنّ الأمّ لا تُباع
ولا تُؤجَّل
ولا تُستعار.
لأنّي مشيتُ في شوارعها
كما يمشي الابنُ في كفِّ أمه،
عارفًا الندوب،
حافظًا التجاعيد،
ولا أطلب منها
سوى أن تبقيني حيًّا
في ذاكرتها.
أنا المتَّهَم
لأنّي حين كتبتُ
لم أكتب حيادًا،
ولم أُزيِّن الوجع بورقٍ ملوَّن،
كتبتُ بيدٍ ترتجف
وبقلبٍ يعرف
أنّ الصمت خيانةٌ أخرى
لا تقلّ قسوةً عن الكلام.
انا المتهم
لأنّي لم أُحبّ بلدي من خلف الزجاج،
ولا من شرفاتٍ آمنة،
أحببتها وهي تنزف،
وهي تُحصي أبناءها الغائبين،
وتُخفي دمعتها في ترابها
كي لا يراها احد
أنا المتَّهَم
لأنّي صدّقتُ
أن القصيدة يمكن أن تكون خبزًا،
وأن الحرف قد يصير ضمادًا،
وأن الصوت، مهما كان مبحوحًا،
أصدق من الصمت المذهَّب.
قالوا: لماذا تكتب؟
كأنّ الكتابة جريمة،
وكأنّ الحبّ يحتاج إلى تصريح،
وكأنّ الوطن
لا يحقّ له أن يُحَبّ
إلّا بالطريقة التي يرضون عنها.
أنا المتَّهَم
لأنّي رفضتُ أن أكون شاهدَ زور،
ولأنّي لم أتقن لعبة الأقنعة،
ولأنّي حين وقفتُ
بين الخوف والحق
اخترتُ أن أرتعش واقفًا
على أن أطمئنّ راكعًا.
وفي النهاية،
لا أدافع عن نفسي،
فالتهمة شرفٌ
حين تكون
أنّك أحببتَ أكثر ممّا يجب
في زمنٍ
العجز
ليس له وصفا
يُكافئ البرود
ويُدين القلب الحيّ.
أنا المتَّهَم، نعم،
لكنّي ما زلتُ أكتب،
وما زلتُ أحبّ،
وما زلتُ أؤمن
أنّ هذا الوجع
آخر ما تبقّى لنا
لنقول:
إنّنا
لم نُهزم بعد.
