تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
سَـفـَرْ بـــرْلِك
بقلم: رشيد عبد الرحمن النجاب.
يتوشح غلاف الكتاب بلون مميز أراه تكرر في كتب أخرى لنفس المؤلف، ووصلتني عبر هذه الملاحظة رسالة مفادها أن اختيار اللون لم يكن عشوائيا، وأن توحيده في عدد من الكتب لم يكن مصادفة، فاللون الأحمر القرمزي يشير إلى علم البلاشفة، وكان للحديث عنهم مساحة واسعة من التفاصيل في متن الكتاب موضوع هذه المقالة الموسوم "سفر برلك " لمؤلفه الدكتور خالد تركي، والصادر عن مكتبة كل شيء في حيفا عام 2018 في نحو 150 صفحة من القطع المتوسط، والمؤلف أيضا عضو قيادي في الحزب الشيوعي والجبهة الدِّيموقراطيَّة للسلام والمساواة كما تشير معلومات الغلاف الداخلي، فإذا انتقل القارئ إلى الرسومات وجد صورة للمناضل الراحل "داود تركي" ورفيقه "أودي أديب" ضمن محاكمة لعدد من المناضلين الذين قادهم داود تركي، بينما ظهر ظل للرفيقين على خلفية الغلاف. ويقول المؤلف في تفسير العنوان "وكلمة السفر برلك تعني السفر (بالعربية) وبرلك هي كلمة تركية تعني جماعي وهنا يقصد بها تهجير جماعي".
وصولا إلى النصوص الموازية الداخلية متمثلة في الإهداء:" إلى كل من يحب أرض الآباء والأجداد ويدافع عنها ويحميها" ويغمز في هذا الإهداء من قناة فكرة التجنيد أيام الأتراك العثمانيين والزج بالشباب في حرب "لا ناقة فيها ولا جمل" وهو من ناحية أخرى تكريم لعدد من المناضلين الذين وردت أسماؤهم في الكتاب والآلاف غيرهم، ثم تصدير يتضمن نداء رفاقي لمتابعة درب النضال باللهجة العامية: "منمشي ومنكفي الطريق.. يا رفيق" وآخر النصوص الموازية الداخلية قصيدة بعنوان "أرض أجدادي".
وبعد تقديم للكتاب بقلم المؤرخ إسكندر عمل الذي تولى مراجعة الكتاب وتحقيقه، شرع الكاتب في متن الكتاب الذي جاء في جزئين؛ السفر برلك، وما بعد السفر برلك وهذا يشتمل على أربعة فصول.
قدم الكاتب في هذا الجزء معاناة الناس من القانون التعسفي القاضي بسوق الشباب إلى حروب الدولة العثمانية دون مسوغات ولا مبررات، وهي التي تخلت عنهم في أبواب الرعاية من صحة وتعليم وغيره، ويأخذ من قصة جده يوسف "عم والده" وانصياعه لفرمان السلطان القاضي بالسفر إلى إستنبول للخدمة مثالا، ويقدم الكاتب حكاية جده "والد والده مثالا على من حملوا لقب "الفراري"، منهم من تمكن من الاختباء طيلة فترة الحرب بينما عانى آخرون الويلات إثر اكتشافهم.
تضمن هذا الجزء من الكتاب صورًا عديدة شملت مراحل مشاركة يوسف في التجنيد، من لحظة تبليغه وحتى عودته سالمًا مع القلَّة الذين كتبت لهم النَّجاة، ويعزِّز هذا الوصف المكثَّف الثرَّيُّ بالعديد من الأمثال، واللهجة المحكيَّة، وآيات من القرآن "رغم اختلاف الديانة"، وأبيات من الشِّعر القديم منه والحديث، ومقتبسات من النَّثر لجبران والسَّكاكيني وغيرهم الأمر الذي يشفُّ عن كاتب واسع المعرفة عميق الاطِّلاع، كما استعان بالهوامش لمزيد من الإيضاح والتَّفصيل. ناهيك عمَّا تمَّت الإشارة إليه من مفردات تركيَّة في أكثر من موقع لا بدَّ أنه تعلَّمها من جدِّه في سياق تلقِّي المعلومات حول هذه التَّجربة:
* لم يذكر الاسم (ص 77)
ينتقل الكاتب في الجزء الثاني إلى ما بعد سفر برلك ويصف ابتداء حالة من اليقظة والوعي خصوصًا التي سادت وبات النَّاس (ممثلين في يوسف وسمعان) أكثر إدراكًا لما يدور حوله بعد أن خرج من نطاق القرية والبلد وصقلت شخصيَّته تجربة الغربة، وملامح تغيُّر شخصيَّته هو وشقيقه سمعان.
في هذ الجزء من الكتاب بفصوله الخمسة تابع الكاتب من خلال سيرة سمعان ثم ابنه داود التَّغيُّرات التي شهدتها فلسطين في الفترة التي تلت سقوط الدَّولة العثمانيَّة وعلى مدى نحو خمسة عقود من الزَّمان، كما يتابع الاستعانة بكثير من الحكايات الشَّعبيَّة والمواقف الطَّريفة والأمثال مستخدمًا اللهجة المحكيَّة في كثير من الأحيان. إضافة إلى الاستعانة بأقوال المفكِّرين ولعلَّ الكاتب أراد تسليط الضَّوء على الوعي الذي نشأ لدى النَّاس تجاه الانتداب وحكمه الظَّالم والمتحيِّز ضدَّ العرب من جهة، ونحو التَّغيُّرات السِّياسيَّة العامَّة في المنطقة.
لكن التَّركيز الأكثر مضى نحو الوعي بالفكر الشُّيوعيِّ والسَّعي للتَّعرف على من ينشرونه في البلاد بهدف الانضمام إليهم لما في هذا النَّهج من صون للعدالة وحماية للعمَّال والفلاحين من جهة ولما مثَّله موقف الاتِّحاد السُّوفياتي في الكشف عن خبايا اتفاقيَّة سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصريَّة:
وكان الجزء الأخير من الكتاب مكرَّسًا للحديث عن داود تركي "عم الكاتب" الذي أسَّس التَّنظيم اليهوديِّ العربيِّ الماركسيِّ" الذي حارب من أجل حلِّ الدَّولة الواحدة للقضيَّة الفلسطينيَّة، الدَّولة الدِّيمقراطيَّة العلمانيَّة الواحدة، رافقه في ذلك عدد من اليهود إلا أن إسرائيل اعتقلتهم وحاكمتهم بتهمة "شبكة التَّجسُّس اليهوديَّة العربيَّة"، وبرغم السِّجن الانفراديِّ والتَّعذيب عل مدى أربعين يومًا، والتَّهديد بمستقبل ابنته الدِّراسيِّ في تركيا وبسحب الجنسيَّة منها إلا أَنَّه رفض الرُّضوخ، وألقى خطابًا ارتجاليًّا في المحكمة بعنوان إني اتَّهم يقول د. خالد في وصفه لداود تركي :
"وانتصب شامخًا شموخ جبل الكرمل على الشَّاطئ الشَّاميِّ راسخًا رسوخ جبال الجليل الشَّمِّ شجاعًا صارمًا همامًا في طرح خطابه الارتجاليِّ "إنِّي أتهم" الذي استمرَّ ساعة كاملة" (ص 117).
ويقول عن الاسترحام وطلب العفو: "موضحًا أنه ذو دراية بالعاقبة دون أن يطلب الرَّحمة أو يبدي ندمًا على ما فعله، مع أنَّهم طلبوا منه من خلال محاميي الدِّفاع هاغلر وبرغمان، أن يقدِّم أسفًا وتأسُّفًا واسترحامًا ومغفرة كي يحصل على عقوبة مخفَّفة حيث رأيا في القضيَّة قضيَّة قضائيَّة مجرَّدة بينما رآها داود تركي وجوديَّة، قوميَّة، أمميَّة عقائديَّة ومصيريَّة" (ص 117)
ويضيف داود تركي "لم يكن بإمكاني خيانة سلطة لم أعترف بها أبدًا ولم أتعهَّد أن أكون مخلصًا لها لأنَّني رأيت بها دائمًا سلطة احتلال".
لعلَّ أبرز ما خرج به داود تركي من السِّجن هو صحبته مع المناضل الرَّاحل المطران هيلاريون كبوتشي، "وعندما التقيا لأول مرة في سجن الرَّملة أعدَّ له المناضل داود تركي استقبالاً مهيبًا يليق بالأبطال والشُّرفاء" (ص 143)
كما قال عنه شعرًا
مطران قدس العرب جلَّ وفاؤه والبذل وانعدمت له أنداد
فمن العروبة روحه وصفاؤها ومن الحقوق سعيرها الوقَّاد.
