X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
12/02/2026 - 02:55:59 pm
الشاعر المغربي إدريس الملياني الماء يعيد كتابة سيرة كل شيء

الشاعر المغربي إدريس الملياني

الماء يعيد كتابة سيرة كل شيء

نهض الماء

من ذاكرته الأولى،

مطر الخير أم الشر

أتى

شتا تتا شتا تا

لم يأت ليغسل  

بل ليمحو

 ويعيد كتابة سيرة كل شيء

غرق البشر

كما تغرق الفكرة

حين تصدّق،

وغرق الحجر

لأنه حفظ القوانين

ولم ينطق

وغرق الشجر

لأنه شهد الفأس طويلا

وصمت،

ومر الماء ملقنا

 درسا مرا

لمن لا يهمه الأمر

تاركا الأرض أرملة ثكلى

تكفكف دمعها

 وتجف من وهمها القديم

وغرق الإنسان

لأنه ظنّ

أن الآلهة أسطورة

تروى ولا تتحقق

وفي العلوّ دقّ الرعد

طبول الغيم

وشحذ البرق سهام  النار

ونفخت الريح في  الجهات

فصار الشمال

قبورا عائمة  

قال الماء:

على لسان إله المطر

أنزار المدرار

حبسوني في السدود،

كسّروا عظامي،

شوهوا مجاري،

ثم طلبوا منّي

أن أكون طيبا ورحيما

       فانفتحت قرب ماء السماء

     كما ينفتح الجرح القديم،

    وفاضت الأنهار هائمة

هادرة كالهامة: اسقوني!

قالوا: أخلوا،

فهربت المدن من نفسها

وفر سكانها  حاملين

أبوابها في الذاكرة

وشرفاتها في الحنين،

تبعتهم جحافل الطوفان

إلى الجبال

التي صدّقت أسطورة العلوّ،

وإلى الصحارى

 التي وثقت بالعطش،

وظنته تحصينا أبديا

وإلى الصلوات

التي أبطلها ضراط الشيطان

وتبعتهم السيول

إلى القرى المؤقتة،

والملاجئ والخيام

 التي سميت طوق نجاة،

وإلى الطرق

 التي تخيّلت أن الإسفلت

 فكرة مضادّة للفيضان

فضحك الماء،

صار موتا سائلًا،

كفنا بلا خياطة،

وقبرا بلا شاهد،

وصلاة تتلى داخله

غرق الذين بقوا،

غرق الذين هربوا،

غرق الذين صدّقوا

أن الإخلاء اسم آخر للخلاص

حتى الأشياء لم تستثن:

الصور العائلية

تعلمت العوم ثم نسيت الوجوه،

الكتب، أغلقت أفواهها

كي لا تشرب المعنى،

والأشجار رفعت جذورها إلى الأعلى

في حركة أخيرة تشبه السؤال

وحين تعب الطوفان

لم ينته، نام في الأرض،  والريح،  والغيم،

كوحش يعرف متى يستيقظ

لم ترسل السماء علامة نجاة

كان الصمت بيانا رسميا

بعد الانتصار والانحسار،

الطبيعة وحدها

تقرر

والطوفان وحده

يحكم

لم تتزنر السماء بحزام

 لالة الزهراء

ولم تتزين بإزار

 قوس قزح  العذراء

"تيسليت أنزار

عروس إله المطر"

على حد عنوان ديواني    

ولم تتعظ السماء بتَذكار

إله المطر أنزار  المدرار

خشية السهو أو النسيان

 كلما أبصر قوس قزح

وقوس السحاب

تذكر وعده

وعهده

بعدم تَكرار الطوفان

وها هو ذا أخلف وعده

ونقض عهده

وعاد في نسخة جديدة

مرعدة و مزبدة

ومنقحة ومزيدة

وفي طبعة خطيرة مبيدة

وهكذا صار المطر لغة مزدوجة:

بركة استصحاء

 لمن غنى :

"على قدّ النفع آربي" 

ولعنة استسقاء

لمن ظنّ

أن الطبيعة صامتة

وميتة

وقالت الأرض

وهي تبلع ماءها

وتجفّ بلا شفقة:

لست أما دائما

لا قاسية ولا رؤوما

أحياناً أكون قاضية،

وأحياناً جلّادة،

وأحياناً لا أكون شيئاً

سوى مرآة تكشف للإنسان

عن شراسته وشكاسته

أنا الأصل ومن ينساه

 يعاد إليه ميتة واحدة

قالوا : سيمر الطوفان

لكن لما تعب الماء،

لم ينحسر بل استقرّ

كالجنين الراكَد في رحم الأرض،

انطوى كالأفعى على نفسه

وفي ذاكرة طقسه

وفي قذارة دنيا الحياة ذاتها

لم ينج شيء حي لأن النجاة

كانت فكرة يابسة

في عالم أمي

اختار الماء كي يكتب تاريخه

لم يكن الطوفان وحده

كان مسبوقا باجتماع أولمبي

في سماء لم يعترف ملأها الأعلى

ببُشار الأبشار

الأشرار

حيث كان آن

جالسا   في علوّه الصامت،

ناظرا  طويلا

إلى الأسفل.

قال:

لقد صار الضجيج

أعلى من الصلاة

فاستدعى  إنليل

سيد الريح والعواصف،

الذي لم يكتب

على نفسه الرحمة

إلا  تقية

وقال له: الأرض مثقلة،

والطين نسي حدوده

فضرب  إنليل

بصدره الهواء،

فقامت الرياح

كجنود من غبار

أما  إنانا فصرخت :كفى!

كانت  تراقب من بعيد،

إلهة الحب والحرب،

وتعرف أن العشق

حين يفيض يصير خرابا

ومن الحب ما قتل

وقالت: ليس البشر أشرارا،

لكنهم نسوا أنهم مؤقّتون

ولما لم تصغ آذان

فتح إنكي

سيد المياه العميقة

عينيه في الآفاق،

فرأى الأنهار

مربوطة بالسدود،

ومجاريها

مشوّهة بالنُّفايات

وهمس: حين يحبس الماء

يتعلّم الانتقام

ثم جاء القرار

من غير لوح طيني،

ومن دون ختم:

ليكن الطوفان

               فانشقت السماء

حيث دقت آلهة الرعد

الطبول في الغيم

وآلهة البرق

شحذت سهام  النار

وآلهة الريح

نفخت في  الجهات

فصارت  فزاعات

تساءلوا :

أمطار الخير أم الشر

 قالوا: إنها أمطار الخير

لكن الخير لم يحضر

كان غائبا عن الاجتماع

هذه ليست مياه البركات

بل مياه اللعنات

تقدّم الطوفان

كجيش بلا قائد،

كل موجة جندي،

كل دوّامة أمر عسكري،

وكل قطرة

قانون لا يقبل الاستئناف.

أخليت مدن بكاملها

هربت من نفسها

وأجليت ساكنتها

وفرت من بؤسها

لكن الأرض

لم تخل ذاكرتها

ولم تتخل عن طقسها

قالت الطبيعة:

أين تذهبون

أنتم تسكنونني

حتى وأنتم تهربون

إلى أي أين.

الدار البيداء :11فبراير 2026




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت