X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
02/05/2026 - 10:10:50 pm
قراءة ذاتيّة جدًّا في ديوان لقاء في مقهى على النّيل للشّاعر أمين بدران

قراءة ذاتيّة جدًّا في ديوان "لقاء ... في مقهى على النّيل" للشّاعر أمين بدران

بقلم: الشّاعر علي هيبي

الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين.

لا بدّ من كلمة أولى:

غمرتني السّعادة مرّتيْن، عندما حللْت ضيفًا على حفلة إشهار الباكورة الشّعريّة للشّاعر أمين بدران، جاري وابْن صفّي في المرحلة الابتدائيّة في قريتنا "كابول"، وفي جزء من المرحلة الثّانويّة في مدرسة "ينّي"، في قرية "كفر ياسيف"، قلت سعدت مرّتيْن: الأولى لأنّني تشرّفت بإلقاء كلمة قصيرة عن أمين وديوانه الأوّل "لقاء... في مقهى على النّيل"، وكان أمين قد أهدانيه أثناء زيارة لي في بيته القريب، ومن ثمّ قرأته ووضعت قليلًا من الملاحظات، والثّانية عندما قرأت في عينيّ إرادة أمين ذلك الإصرار على الكتابة منذ نعومة أظفاره، أو على الأقلّ منذ فترة الصّبا، وأمين فنّان بفطرته، فقد كان ذلك التّلميذ الرّسّام الأفضل في الصّفّ منذ المرحلة الابتدائيّة، وكان كاتب الموضوع الإنشائيّ الأجمل تعبيرًا والأجود تفكيرًا، بلغة شفّافة، رقيقة ورائعة في انتقاء تعابيرها الّتي تنسجم مع مقتضى الحال، وهو ما كان يشيد به كلّ المعلّمين، والأهمّ أنّه منذ بداياته كطالب ثانويّ كتب رواية قصيرة بخطّ يده الأنيق، أذكر عنوانها كما كتبه "سخرية القدر" أو كما قال آخرون إنّها "صراخ في اللّيل"، وقد ذكر ذلك في كلمته في حفل الإشهار د. أحمد هيبي على اعتبار أنّه جار وصديق لأمين وابْن صفّ في المرحلة الثّانويّة أيضًا.

فعلًا أسعدني ذلك الإصرار على الكتابة، بعد أن وضعت بين يديّ ديوان أمين الأوّل، الّذي أتمنّى ألّا يكون الدّيوان الأخير، خاصّة أنّ أمين اتّجه اتّجاهًا آخر في حياته العمليّة، بعد أن درس موضوع "إدارة الأعمال" في الجامعة البريطانيّة، وبدأ حياته موظّفًا في "البنك العربيّ" ومن ثمّ سرعان ما أصبح مديرًا لعدّة فروع من "البنك" في القرى العربيّة الجليليّة.

وبعودة إلى موضوع الدّيوان، فالكتابة طريق مريرة مرارة شقاء ملازم، ومثيرة كالحياة نفسها، إنّها كإيجاد ضالّة نفيسة بعد بحث طويل وشاقّ عنها، وعلى سالك هذه الطّريق أن يتسلّح بالصبر والثّقافة واختيار الطّريق نحو رسالة الأدب الإنسانيّة السّامية، ويجب عليه أن يعي منذ البداية أنّه من الممكن أن تتسلّخ يداه وقدماه أثناء الصّعود إلى القمّة، وأن يدرك أنّ القمم تتوالد منها قمم جديدة، بلا نهاية، إنّها جدليّة الحياة ورحلة الشّعر العظيم.

وما أتمنّاه لصديقي العزيز وجاري الأمين والشّاعر لهو الدّوام وهو واثق الخطى على هذا الطّريق، الكتابة، والاستمرار في الحياة بصحّة وعافية دائمة، وبعيش رغيد وعمر مديد، وأظنّ أنّ في "جوارير" أمين الكثير من القصائد والنّصوص الّتي لمّا يكشفْها ولمّا ينشرْها.

بداية أخرى:

قلت في مستهلّ كلامي أنّ أمين امتاز بأناقة الخطّ وحسن الرّسم، وقد انعكست هذه الأناقة على صورة الدّيوان الشّكليّة وعلى لوحة الغلاف، وأظنّني أنّه هو من شكّلها بالرّسم أو هو من شكّل فكرتها على الأقلّ. وقد جاء الدّيوان زيادة على القصائد غنيًّا باللّوحات الفنّيّة والصّور المعبّرة عن كثير من المواقف الإنسانيّة المتعدّدة وعن حالات النّفس البشريّة في مختلف أحوالها من طفولة حزينة إلى جمال شباب، ومن حلّ جميل وترحال أليم، ومن ورود متفتّحة إلى فَراش يحوم إلى عبّاد شمس يصلّي، ومن وداع يثير الأشجان إلى حنين يوهم القلب باللّقاء، ومن بحر هادر إلى جبل شامخ ومن طلّ طريّ إلى مطر يتدفّق بحرارة لقاء عشّاق بعد غياب ممضّ، ومن زيتون "مليصيّ"، سوريّ الجغرافية، روميّ الجذور والتّاريخ إلى زعتر ميعاريّ ورائحة وطن تنضح من كلّ حدب وصوب وفجّ عميق، فعلًا هي صور مفعمة بريح الحياة، طافحة بروح الطّبيعة ومواسمها السخيّة بالخيرات وفصولها المضمّخة بشذا الحياة المتجدّدة.

ولا شكّ في أنّي لست ناقدًا ولا أستطيع الالتزام بالموضوعيّة العلميّة في حال أمين الجار والصّديق ولا في حال باكورته الشّعريّة، وما امتلكه بتواضع بعضًا قليلًا من المقاييس النّقديّة وتجربة في القراءة وسبر أغوار القصيدة، فأنا في غمرة فرح بهما: أمين وديوانه، وسأكون منحازًا إلى حدّ ما، بل بعيد إليْهما، ولسنا صغارًا أو ما زلنا، فأمين وأنا في السّبعين من شبابنا، وإذا نبغنا في أمر ما فقد جاء النّبوغ "عَ كَبَر"، ولكنّ لذلك النّبوغ أصولًا وبدايات وجذورًا منذ "زمان" لدى أمين بالتّأكيد.

في الإهداء يقول أمين: "إلى كلّ جميلة تمارس لعبة الصّمت، وفي عينيْها مطر غزير، إلى زوجتي العزيزة ... إليْها وعليْها هذا الهطول"، وأنا أعرف السّيّدة هدى، زوجة أمين، وقد كانت "بنت صفّنا" أيضًا، أعرفها سيّدة فاضلة، مربّية ومعلّمة في مدارس كابول. في غمار هذا الإهداء لها نشهد نفسًا تنمّ عن نزعة إنسانيّة حميميّة عند أمين، وفيها اعتراف بأولئك النّساء الصّابرات علينا كرجال وأزواج، يعملن ويسهرن ويحببن بصمت، ولا يردن جزاء ولا شكورًا ولا اعترافًا بفضلهنّ، ولكنّنا عندما نكبر ونضعف ندرك أنّنا مهما انهمرنا عليهنّ مطرًا وخيرًا وحبًّا فلن نفيَ زفرة واحدة ممّا قدّمن، ولا قطرة واحدة ممّا سكبن من وابل عطاء وفضل وتفانٍ في سبيل أن نكون ونكتب ونتفاخر، بما يسجّل لنا من مجد ونطاول - بما نحن فيه من فضلهنّ - أعنان السّحاب، وهنّ ذلك الجنديّ المجهول الّذي قاتل بهدوء كي ننتصر نحن بهتاف مجلجل وقرع أجراس ودويّ طبول.          

المقدّمة:

شعر أمين في قصائده الأربع والأربعين عامّة ليس منبريًّا، بمعنى أنّه ليس للإلقاء الصّاخب والرّاغب بإسماع الأذن وإعمال اليديْن بالتّصفيق، فقصائده هادئة، هامسة وبعيدة عن ثورة الصّخب وبراميل الضّجيج، يحلّق في كثير من قصائده في الأعالي فتأخذ النّفوس الإنسانيّة الرّقيقة إلى ملكوت لا تتخلّى فيه عن إنسانيّتها المشبعة بالحبّ والخير والسّلام. ولعلّي أوافق صديقي الكاتب صالح أسدي، صديق أمين وصديقي وزميلي كعضو في إدارة "الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين"، كاتب المقدّمة القصيرة، الجميلة والرّائعة، قلت لعلّي أوافقه في ما قاله عن شعر أمين: "في زمن يضجّ بالضجيج ويضيع فيه المعنى بين صخب الشّعارات يجيء شعر أمين بدران ليهمس بحروف تقطر صدقًا ويبوح بهمّ فرديّ يتقاطع دومًا مع الهمّ الجمعيّ"، وتأكيدًا لرأيه ولشعر أمين أقول فليذهب الشّاعر الّذي يلهيه همّه الفرديّ ولا يصهره بهمّ مجتمعه وقضاياه الوطنيّة والثّقافيّة والإنسانيّة الجماعيّة إلى الجحيم، فلا وجود لشاعر أو لا قيمة لشعر بلا قضيّة وبلا مجتمع وبلا إنسان. ويقول صالح أسدي في موضع آخر: "يرسم الشّاعر خارطة وجدانه كأنّه يخطّ سيرة لا تروى بالكلمات فقط، بل بالحنين والدّهشة والسؤال". وينهي أسدي مقدّمته الصّادقة كصدقه نحو صديقه وديوانه بقوله: "هو ديوان تتلوه العزلة وتجاوبه البنادق الّتي "وضعت جانبًا" حيث يحتجّ الشّاعر ويعاتب ويغنّي وينكفئ، ثمّ يعود ليعلن ببساطة وصدق "أنا إنسان" وهو عنوان لإحدى قصائده، وهو ما قصدته حين تحدّثت عن نزعة إنسانيّة حميميّة في ديوانه منذ الإهداء وفي كثير من قصائده.

العنوان:

لا أعرف لماذا اختار أمين عنوان ديوانه هذا "لقاء في مقهى على النّيل"، ولكنّي أتساءل ومن حقّي أن أتساءل بلا إعطاء جواب قاطع، فهل كان اللّقاء ذكرى، هل كان زيارة وجلسة في "كازينو قصر النّيل" في وسط مدينة "القاهرة" الّذي تجلس فيه على كرسيّك ووراء طاولتك وتمدّ يديْك إلى الماء المنساب، فتأتيك النّسمات القاهريّة "تنعف" رذاذًا على وجهك فتنتعش الرّوح وتبتهج النّفس كما تبتهج بذكرى الخالد جمال عبد النّاصر وبعظمة الأهرام وصبر "أبو الهول" وبهاء مصر وصدح شاعرها الكبير أحمد فؤاد نجم.

"مصر يمّا يا بهيّة

يا أمّ طرحة وجلابيّة

الزّمن شاب وإنت شابّة

هو رايح وإنت جايّة"

هل كان لقاء مع حبيبة غابت وكان الوداع وغاب معها الأمل وانبثق الحنين للقاء جديد! لا أعرف ولا أريد أن أعرف، ولكنّي أتساءل، ولا خير في شعر لا يثير التّساؤل وينثر الاحتمالات جزافًا من هنا وهناك، محاولة لسبر أغوار قد لا ننجح في سبر أغوارها.    

ثلاث قصائد:

في الدّيوان ثلاث قصائد يُذكر فيها جزء من العنوان، الأولى قصيدة قصيرة تشكّل بنظري لمعة أو ومضة جميلة، وتعتبر نقطة انطلاق لسؤال كبير على ما فيها من بساطة لغويّة في الصّياغة وسهولة تبدو في عمق الدّلالة "لماذا نكتب"؟ هي قصيدة "لقاء في مقهى" (ص 157) يقول فيها الشّاعر:

"التقينا في المقهى على فنجان قهوة

سألتني كيف حالك

فقلت لها: إنّي متضايق جدًّا

قالت: كيف ذلك وأراك تكتب شعرًا

قلت لها: وهل يكتب الشّعر غير من به ألمُ" (ص 159)

والسّؤال، من هي هذه السّائلة المتخفيّة هنا؟ هل هي نفس الشّاعر أم هي سائلة موهومة تمثّل وجهة النّظر المخالفة لوجهة نظره، معتقدة أنّ كتابة الشّعر ترف عابر ومتعة آنيّة أو لحظات سعادة وتمضي. وهل الشّاعر في ردّه يرى أنّ الألم هو المحرّك الأساس لكتابة الشّعر، وهو موقف يتطابق مع ما ذكرته في البداية حول طريق الشّعر المريرة، نعم! الألم هو محرّك التّجربة الشّعريّة، "من هنا نبدأ"، كما قال المفكّر الأزهريّ المتنوّر، خالد محمّد خالد معنونًا بهذه العبارة أحد كتبه.

والقصيدة الثّانية بعنوان "لقاء" (ص 113) بدأها الشّاعر بإيجاز وتكثيف باهر وكلام رشيق ورقيق:

"لن أستطيع المجيء هذا المساءْ

لا لقاء بعد اشتياق

ولا اشتياق بعد اللّقاءْ

كلّ السّاعات تمضي

المرّ والحلو فيها سواءْ" (ص 115)

فعلًا يجعلك الشّاعر تحلّق هائمًا، حائرًا، فما هو الحلو وما هو المرّ؟ هل الاشتياق أجمل كمقدّمة للّقاء أم أنّ اللّقاء أعذب لأنّه يأتي بعد مرارة الانتظار، وللنّظرة الفلسفيّة دور كبير، فلا اللّقاء يخلد ولا الانتظار يبقى، كلّه سواء! ألم يقل الحكيم بعد أن بشّروه بأنّ طفلًا وُلد، فقل مات! هكذا نظرة الشّاعر ذات عمق وشمول، فلقاء جميل مع الحبيبة يعني فراقًا قد يطول، ومن ثمّ يؤول إلى اشتياق وحنين، يأتي بعده لقاء جديد، وتدور دائر الحياة والموت، فليس الموت نهاية دائمًا، وليست الولادة بداية دائمًا، إنّها دائرة وحدة الأضداد وصراعها على مدى التّاريخ.

ولكن! كما نسجّل للشّاعر نسجّل عليه، كان من الممكن أن ينهي الومضة عند هذا الحدّ، فتكون ومضة فلسفيّة كلّيّة ونظرة دلاليّة عميقة بثوب لغويّ بسيط وتعبير خفيف على النّفس، وقد تابع ومضته اللّامعة بمعنًى لم يضف شيئًا بل أساء تحت وطأة معانٍ حكميّة أخلاقيّة ووعظ صريح. وهنا وفي غمرة الحديث عن السّلبيّ في الدّيوان، والقصد من ذلك التّنبيه، فمن الواجب عدم السّرعة بالطّباعة ويجب الفحص مرارًا وعينان اثنتان أفضل من عين واحدة، وأقصد الأخطاء اللّغويّة أو المطبعيّة الّتي أساءت حقيقة لأناقة الدّيوان وإخراجه التقنيّ، وثاني السّلبيّات البارزة، أقحم أمين في بعض من قصائده القافية إقحامًا فأساءت للمعنى والصّورة وجعلت الإيقاع غير مستساغ الأثر ولا مسترسل النّبرات، كما في قصيدة "الوداع الأخير" (ص 97) فلم تأتِ عفويّة طبيعيّة تنسجم مع جرس القصيدة الموسيقيّ الدّاخليّ، كما في قصيدة "مائدة العشاء" (ص 121).         

أمّا القصيدة الثّالثة وهي أطول من السّابقتيْن فجاءت تحت عنوان "مقهى على النّيل" (ص 69) وكأنّي بأمين يهيم بمصر كما قلنا آنفًا حول عنوانه المختار، يهيم بمصر ومعالمها الحضاريّة الضّاربة جذورها في وجدان التّاريخ، ورموزها الثّقافيّة والسّياسيّة الثّائرة على الاحتلال والتّقاليد، منذ التّاريخ القديم إلى الحديث: فطه حسين وسعد زغلول وأبو الهول، والقاهرة بزخم فنونها وسهراتها وغنائها وشمس أصيلها ومقاهيها الغارقة بطعم الزّنجبيل وضوء القناديل ورائحة "الشّيشة". كلّ ذلك يدرجه الشّاعر بهمسة سهرة سرّيّة تودّع الحزن وتعيش الخواطر بأجواء فرح وسعادة في ذلك المقهى الحبيب والسّرّيّ في تلك السّاعة المتأخّرة من اللّيل القاهريّ في حضن النّهر الخالد، النّيل.

سائر القصائد:

أمّا شعر أمين عامّة، فهو ينطوي على نزعة إنسانيّة شاملة، كما تجلّت في قصيدة "قالًا وقيلًا" (63) ففيها صهر همّه الفرديّ بالهمّ الجماعيّ للإنسان، وبذلك أضاف مسحة حبّ ووفاء للإنسانيّة الّتي ينتمي إليها بإيمان واعتزاز، إنّ هذا الحسّ الإنسانيّ العامّ لم يمنع أمين من إعلان انتمائه العربيّ الخاصّ وافتخاره بحضارته وتاريخه ورموزه، كما فعل في قصيدة "حفيدتي إيطاليّة" (ص 131) فقد أشار بها إلى البعد العربيّ والإسلاميّ في الحضارة الإنسانيّة، وقد بيّن هذا الانتماء في قصائد أخرى، مثل قصيدة "لبنان" (ص 179) الّتي وظّف فيها شخصيّة "شهر زاد"، ولكنّه يقول ذلك بهمس وهدوء، بلا ضجيج ولا صخب. ومن هنا ننطلق إلى البعد الذّاتي الوطنيّ الفلسطينيّ الأكثر خصوصيّة، فأمين يعيش آلام شعبه وقضاياه، ويعيش أحلامه وآماله في الحرّيّة، وقد رأى جمال الوطن العربيّ الكبير من أفريقيا إلى آسيا، ومن نيله إلى فراته، ومن برّ مصر إلى برّ الشّام، كل هذا الجمال تجمّع في تلك الفتاة الفلسطينيّة "ملكة جمال الكون" (ص 151) والّتي ترمز إلى فلسطين، وكأنّ فلسطين هي الرّوح والأقاليم العربيّة هي الجسد الواحد المتناثر من الشّرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشّمال. كما يتجلّى المعنى الوطنيّ عند أمين في حنينه للتّراث القديم وللماضي الجميل، كما في قصيدة "عود ومحراث ومنجل" (ص 75) وهي أدوات الزّراعة القديمة عند الفلّاح الفلسطينيّ، وكذلك ينعكس هذا المعنى في قصيدة "باع الوطن" (ص 79) وفي أجمل قصائده في هذا المعنى "قمر الدّين وزعتر" الّتي يتحدّث فيها عن أجواء دكّان أبيه القديم ومبيعاته، فنحسّ كأنّنا ونحن نقرأها بأجواء رمضانيّة حميمة، حتّى تأتي الحرب فيحتلّ العسكر المكان ويُعلن عن إغلاق الدّكّان حتّى الحرب القادمة، وكأنّ العسكر المتوحّش يحتلّ الفرح ويعتقل الأجواء الجميلة. وعلى ذكر الأب لأمين قصيدة تبدو من مناخها رثائيّة يذكر فيها قصّة موت أبيه وسقوط كلّ الأشياء الرّائعة بسقوطه، وينهيها بفكرة جميلة وصورة بسيطة تنطوي على عمق فلسفيّ، يقول فيها: "حملتك في صحو عيوني

حتّى تهيّأت نفسي

أنّي .... أبي"

وكأنّ الشّاعر يرفض أن يموت هذا الأب الشّامخ، فما وجوده هو إلّا امتداد لوجود أبيه الخالد في النّفس والرّوح وإن مات جسديًّا ومادّيًّا.        

ومن الملفت للنّظر أنّه افتتح ديوانه بأمنية في قصيدة "امرأة من رخام" (ص 11) فقال بألم ورجاء: "ليتني أعود إلى بعضي الّذي تساقط مع الأيّام

ليست الرّصاص يصبح سربًا من الحمام

ليت الماضي يعود كما كان"

فهل هناك ما هو أجمل إنسانيًّا من أن يتحوّل الرّصاص المتطاير القاتل إلى حمام يطير بوداعة وأمان، هكذا كان الماضي الجميل الّذي يتمنّى الشّاعر عودته. وينهي أو يغلق بقصيدة "النّافذة المغلقة" (ص 183) حيث يقدّم الشّاعر سردًا نثريًّا شاعريًّا بأسلوب حكائيّ جذّاب ومشوّق ينطوي على نحل ورحيق وعسل طيّب، "فلا تقلق" وكلْ واشرب وقُرَّ عينًا وعش حلمك بأمل وسلام، هذا هو الغد الّذي يحلم به الشّاعر، فمن ماضٍ مراد إلى حاضر رديء موجود إلى غد باهر منشود.

ولا يخلو شعر أمين وإن كان يغدق أملًا ينهمر بغزارة كوابل في كانون، كما في قصيدة "البكاء في المطر" (ص 87) لا يخلو من مسحة يأس ونغمة غمّ تسود على الأمل والفرح، كما في قصيدة "رجل مزيّف" (ص 51) وقصيدة "الوداع" (ص 55) حيث يمتزج الأمل مع الوداع، ولعلّ المراوحة بين الألم والأمل والحزن والفرح تأخذنا إلى محور بارز عند الشّاعر، وهو الإيمان بجدليّة الحياة المتغيّرة والمتجدّدة، فمواقف الحياة وفقًا للنّظرة الجدليّة عند أمين، لا تدوم على حال، نهرم ونشيخ ونموت ومن ثمّ نولد من جديد في أولادنا وأحفادنا، كما يولد البرعم من الجذع الجافّ، وينمو الورق والزّهر والثّمر، فتدوم الحياة منتصرة دائمًا على الموت، فكم من حبّة ملأت الحقل سنابل، قال الله في محكم آياته: "الّذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكّم أحسن عملا وهو العزيز الغفور" (سورة الملك، رقم 67، الآية رقم 2) "والحيّ أبقى من الميّت" كما قال أجدادنا.

ولقد كانت التّعابير في القصائد تأتي تارة بالمعنى المباشر وتارة أخرى بالصّورة الشّعريّة، وقد استخدم أمين الكثير من الرّموز المستقاة من القصص الدّيني والتّراث العربيّ وغير العربيّ، ولكلّ تلك الرّموز دلالات عميقة تبرز المعنى المراد وتضفي عليه بعدًا ماضويًّا يأخذك للبعيد حتّى يكون وسيلة فنّيّة جميلة تعيدك لحاضر النّصوص الشّعريّة، فهولاكو وعلي بابا وشهر زاد وسندريلا وأثينا وروما ومصر والجزائر ولبنان وفلسطين والنّيل والقاهرة وأبو الهول والفوانيس والمحراث والمنجل، كلّ ذلك أدوات تعبير استخدمها الشّاعر ليس لذاتها بل وظّفها لتكون معينًا ينهل منه المعنى بالصّورة الرّمزيّة الشّفافة لا بالكلام المباشر.

وأخيرًا:

لا يمكنني أن أغادر الكتابة قبل أن أقول كلمة حول قصيدة "سنغادر" (ص 23) وقد قال أمين في آخرها:

"ربّ أمّة تلد رجلًا يغيّر التّاريخ

بلحظة

ثمّ يتركنا ويسافر..."

ونحن في غمار "لقاء في مقهى على النّيل" وأجواء مصر وأمجادها وحضارتها العريقة وليالي القاهرة الرّقيقة، نتنسّم ثقافة طه حسين وثورة سعد زغلول ومربض أبي الهول، فهل ذلك الرّجل الّذي ولدته الأمّة وغيّر التّاريخ من الذّلّ الاحتلاليّ والانزلاق الملكيّ إلى العزّ الجمهوريّ وإلى الحرّيّة والاستقلال والتّاميم والمجد والانتصارات هو القائد العروبيّ الثّائر جمال عبد النّاصر، الّذي قال: "إنّ ثمن الحرّيّة فادح ولكنّ ثمن الذّلّ أفدح".

ولقد قلت في الكلمة الّتي ألقيتها في حفل إشهار الدّيوان، والّذي انعقد يوم السّبت الموافق لِ 7/2/2026 في قاعة "مركز تطوير المعلّمين" في مدينة "طمرة"، قلت ذاكرًا قصّة أمير المؤمنين، عمر بن الخطّاب مع أبناء هرم بن سنان، وهو من أجواد العرب، وقد أصلح بين قبيلتيَِ عبس وذبيان بعد تناحر دمويّ، دام أربعين عامًا، وهي الحرب الّتي عرفت باسْم "داحس والغبراء"، وهي يوم من "أيّام العرب" في الجاهليّة. طلب عمر منهم أن ينشدوه بعضًا ممّا قاله الشّاعر زهير بن أبي سلمى مادحًا أباهم المصلح الجواد، فأعجب عمر بالشّعر وقال: "لقد أحسن فيكم القول"، فقالوا: "ونحن أجزلنا له العطاء"، يقصدون المال، فقال عمر: "لقد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم". وهكذا يذهب المادح والممدوح والواهب والموهوب له والأبناء والآباء ويخلد الشّعر على مدى الأجيال.       

أظنّني أصبت وإن لم أصب فقد اجتهدت، فلي أجر، ولكن لأمين كلّ الأجور لأنّه قدّم لنا وجبات دسمة على أطباق ملوّنة بأدوات الفنّ وآيات الجمال ورحيق الفكر والمتعة بالحلم الجميل والفائدة من طعم الشّعر، فإلى الأمام يا صديقي العزيز وجاري الأمين، إلى مزيد من التّألّق والإبداع، لتكون فردًا مباركًا في عائلة الشّعر المقدّسة.          




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت