X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
03/05/2026 - 11:44:48 pm
الشاعر المغربي إدريس الملياني أسطورة اليد البياتريسية

الشاعر المغربي إدريس الملياني

أسطورة اليد البياتريسية

إلى الشاعر مراد القادري

 

على ماء

يكتب نفسه كل مرة،

ويمحو ما كتب

كي يبدأ من جديد،

كان زورقان

كفكرتين قديمتين

تبحثان عن معنى اللقاء.

زورق في جهة الشوق،

وزورق في جبهة الضوء،

وبينهما

مسافةٌ تتظاهر بالبحر.

في الزورق الأول

كان عاشق

قلبه أكبر من جسده،

وشاعر

يخطئ الجهات عمدا

ليصيب اسمها

يرفع يده،

فتلوح له المسافة

بمنديل من ملح وحنين.

وفي الزورق الآخر

كانت الحبيبة عاشقة

وشاعرة كثيرة بها

وإلى حبهما ناظرة

تجلس بين كلماتها

كنجمة تعرف الطريق إلى الماء

يجري من عيون

أبي رقراق مالحا

بدمع عينيه الفرحتين 

 وعذبا بفرحها الحزين

وتلوح أيضا،

فتنقسم الهوة نصفين:

نصف لها ونصف له،

ويبقى بينهما

ما لا يرى

إلا إذا اشتد الحب

يتناديان

لا بالصوت،

بل بما يفيض عن الصمت:

بقصيدتين

تتعانقان في الهواء،

ثم تخجلان

من اكتمال العناق

وكان الأصدقاء

يضحكون حولهما

كأن الضحك

زورق ثالث

وكان القراصنةُ

في جهة خفية،

يجرون العالم

بعكس ما تشتهي القلوب،

ويبعدون الزورقين

عندما يتقاربان

كلما قال الشوق: الآن،

رد الموج: ليس بعد،

وكلما فتح القدر بابا

أغلقته المصادفةُ

بخشب ورغوة.

وحين اقترب الزورقان

بقدر ما يسمح الارتجاف،

مد المجنون يده،

فلم يجد سوى خشبة رطبة

من حافة الزورق الآخر.

خشبةٌ

لكنها لم تكن خشبة.

خشبة بياتريسية

كانت ضلعا من سفينة سكرى:

Bateau ivre

وكانت سلما نزل من أسطورة،

وكانت قصيدة

تنكرت في شكل لوح،

وكانت حبيبةً

تخفت كي لا يفضحها الضوء.

أمسكها

فارتجف الماء

كقافية مفاجئة،

وانحنى البحر

كمن يعترف أخيرا

أن الحبّ

أقوى من عواصفه

شدها إليه،

فلم تكن هي التي تسحب،

بل كان هو الذي

يعاد تشكيله

على هيئة وصول.

كلما جذبها

اقتربت المسافةُ،

وكلما أفلتها

عادت إليه أكثر،

كأنها تعرف الطريق

أفضل من يده.

وكانت تعمل

كيد ثالثة،

يد لا ترى،

تكتب جسرا

بين زورق الخطر

وزورق الأمان.

لكن البحر

حين يغار

يكثر من المكر.

فاهتز المشهد،

واتسعت الهوة،

وصار الغرق

احتمالا كاملا.

عندها انشق الهواء

عن يد أخرى

 خرجت من عمق

 أهدأ من البحر،

ومن نور أقدم

من الموج،

يد اسمها

اللطف  الخفي

اللطف إذا لبس كفا،

ألقى مرساة

ورمى مجدافا

والنجاة إذا صارت إنسانة.

يد عائشة البحرية

البصرية

الإلهية اللطف الخفي

كأنها خرجت من أسطورة

لتصحيح خطأ في الرحلة

يد باردة بما يكفي

لتطفئ خوفه،

ودافئةٌ بما يكفي

لتقنعه أن النجاة ممكنة

لم تصرخ،

لم تفاوض الموج،

اكتفت بأن تمتد إليه

وهذا كان كافيا،

أمسكت به

كما تمسك بوصلةٌ

بالاتجاه،

وجذبته بقوة ناعمة

لا من ذراعه فقط

بل من احتمال الغرق.

وفي لحظةٌ واحدة

وجد نفسه بين  ندائين :

خشبة تشده

نحو الزورق الذي يحلم به،

ويد بياتريسية

تمنحه العبور الآمن إليه.

انفلت من التردد

 وانقذف  فجأة

كشرارة انقدحت

من حجر البرق،

وعبر الفراغ

كما يعبر الاسم

من الصمت إلى النداء.

كأنما فتحت

تلك اليد البياتريسية

بابا سريا في الهواء

إلى قاربها

سقط بقربها

لا سقوطَ جسد على خشب

بل هبوطَ نجم

إلى سمائه،

ووصول معنى

ظل تائها إلى تمامه.

هوى حيث كان ينبغي

أن يكون منذ الانطلاق

كحرف وجد كلمته

وكعاشق تذكر دائما

أن القصيدة كانت تنتظره

واستقر إلى جوارها تماما

كأنه كان فراغا

فامتلأ.

 كقصيدة وجدت قافيتها الأخيرة.

انثالت ضحكات الأصدقاء

وصفقت القصائد،

وارتبك البحر قليلا،

ثم هدأ،

كأنه تعلم للتو

أن يكون طريقا

لا حاجزا.

وعاد الماء إلى سكونه،

لكنه لم يعد كما كان

أصبح  يعرف

أن لوحا صغيرا

يمكن أن يصير جناحا،

وأن يدا عابرة

قد تبدل مصير زورقين،

وعاشقين،

وتجعل من الحب

مكانا آمنا

لا يغرق أحدا بعد الآن.

اتقدت عيناهما

وكانت المسافةُ

قد فقدت

كل حججها القديمة.

وفي لحظة واحدة،

هدأت الخشبةُ

كأنها أدت دورها الأخير،

واختفت

في ذاكرة البحر

بين زورق صار بيتا،

وقصيدة صارت حبا،

وخشبة صارت يدا

أنقذت الزورقين

العاشقين

تعلق بها

كمن يتعلق بحرف أخير

قبل أن يسقط المعنى،

وجذب

لا الزورق فحسب،

بل الوقت وحتى

الهواء الذي بينهما.

كان الماء يبتسم بمكر:

كلما شد الحبيب

تراجع الزورق الآخر

كأنه يغار من وصوله،

كأن الحبيبةَ

كانت تتمنع لتزيد

 وضوح الاشتياق.

ويده على الخشب

يعض عليه

بنواجذ  قبضتيه

وهي ترتعش كوتر مشدود،

وقلبه يجرب

أن يكون مجذافا،

بينما المسافةُ

تضحك بصوت ممدود،

وتتسع خطوة…

ثم تضيق خطوتين.

هناك

في تلك الثانية التي لا تقاس

انفتحت يد كنافذة في عاصفة

يد تعرف معنى أن ينقذ الشعر

من الغرق،

يد صديقة،

وشاعرة

بجوى الهوى

يد عائشة البحرية

البصرية

الإلهية اللطف الخفي

امتدت إليه

بهدوء من يعرف

أنَّ النجاة لا تحتاج صراخا،

أمسكت به

كما تمسك كلمةٌ هاربة

لتعاد إلى جملتها.

وانسحبت

 بهدوء من يعرف

 أن دوره

كان جملةً واحدة

أتمت النص.

ومنذ تلك الرحلة البحرية

لم يعد الناس

يقولون: زورقان

بل يقولون: زورق واحد

واسع بما يكفي

لقلبين

ولحبين،

لضحكة الأصدقاء،

ولخشبة صارت جناحا،

وليد ثالثة تعرف متى تتدخل

كي يكتمل الشعر

ومنذ تلك اللحظة  أيضا

صار البحر

إذا رأى عاشقين

وزورقين

جانحين

يخرج من ذاكرته لوحا صغيرا،

بجناحين

ويبحث لهما

عن يد تشبه المعجزة

كيد عائشة البحرية

ويبعث لهما

بيد بياتريسية أسطورية.

_بياتريس، بياتريتشي، في كوميديا دانتي الإلهية: ملهمته و مرشدته عبر الفردوس ورمز الحب النبيل، الاسم اللاتيني الإيطالي يعني: المباركة وجالبة السعادة.  كتب النص إثر رحلة نهرية شعرية نظمها بيت الشعر غداة الاحتفال بجائزة الأركانة على شرف شعراء الشعرية الفلسطينية الأعزاء: زهير أبو شايب وطاهر رياض ويوسف  عبد العزيز وغسان زقطان _الغائب الحاضر، نرجو له الشفاء العاجل_ وكان من المشاركين فيها شعراء وشاعرات من آل بيت الشعر المغربي وكان ربان الجولة النهرية الشعرية رئيس بيت الشعر المغربي الشريف الرضي الشاعر مراد القادري...




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت