X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
01/09/2026 - 03:52:45 pm
اثر الناقد بقلم:ناجي ظاهر

اثر الناقد

بقلم:ناجي ظاهر

مضت فترة من الزمن، حتى الثمانيات والتسعينيات من القرن الفائت للتو، ظهر فيها اثر الناقد واضحا جليا، وقد تمثل هذا الأثر بسلطة طاغية، امكنها في كثير من الأحيان، أن ترفع مبدعا، كاتبا أو شاعرا تحديدا، وان تخفض في المقابل آخر وتقلل من شأنه، وها نحن نستذكر أن كاتبا مثل المصري نجيب محفوظ، صاحب "اولاد حارتنا"، والسوداني الطيب صالح "صاحب موسم الهجرة إلى الشمال"، على سبيل المثال لا الحصر، وما فعلته هذه السلطة مع كل منهما، فقد كتب محفوظ قرابة العقدين من الزمن، دون أن يلتفت إليه النقد الادبي، وبقي أمره جاريا على هذا النحو، حتى بادر الناقد الأدبي سيد قطب، نعم الناقد الأدبي في حينه، للالتفات إليه والاشادة بما كتبه ونشره من أعمال روائية أدبية لافتة، فساهم ذلك الالتفات بتسليط الضوء عليه وعلى إنتاجه الروائي، وهو ما ساهم في تكريسه كاتبا روائيا كبيرا، ومثل ذلك حصل مع الطيب الصالح، عندما كتب عنه الناقد العربي المصري رجاء النقاش، واصفا إياه بأنه عبقرية روائية عربية صاعدة او جديدة. ومثل هذا حدث عندما كتب الناقد الاديب المثقف احسان عباس، صاحب المؤلفاته والتحقيقات الهامة والوفيرة، عندما وضع كتابا وافيا عن الشاعر العراقي المجدد بدر شاكر السياب، صاحب انشودة المطر، أما الناقد العربي المصري غالي شكري، صاحب كتاب "الجنس في الرواية العربية"، فقد لفت النظر إلى العديد من الكتاب، بالضبط كما فعل الناقدان السابقان الرائدان، المصري محمد مندور واللبناني مارون عبود.

في المقابل لهذا كله بات من الملاحظ الملموس .. الجلي، أن النقد الادبي، شهد في فترتنا الراهنة، ابتداء من بدايات الألفية الجارية، وصولا إلى الفترة الحالية، ومن الظاهر.  الواضح.. إلى ما بعدها، انحسارا حقيقيا في سلطة الناقد الادبي، وقد أخذ هذا الانحسار في التقلص رويدا رويدا، حتى بات بإمكاننا القول، إنه كاد أن يختفي، أو بكلمة مخففة أمسى على العكس مما كان عليه في الفترات الماضية، واحدا من المثيرات الأدبية ضئيلة الشأن، تلك المثيرات التي تقتصر في عمقها على فئات محدودة من المهتمين، يتمثلون في أمثالنا من أبناء الأجيال الماضية، التي عاشت فترات ازدهار النقد الادبي وتفاعلت معها، حد استحالة.. أو شبه استحالة التنازل والنسيان، ونحن اذا ما اضفنا إلى هؤلاء بعضا من طلاب الدراسات الأكاديمية الأدبية/ النقدية، المتأثرين بدراساتهم الادب والنقد، فان حالة انحسار دور الناقد الأدبي وانخفاض دوره، أو انحسار تأثيره، باتت الصورة أكثر جلاء ووضوحا.

السؤال الذي يطرح ذاته والحالة هذه، لماذا حدث هذا، ما هو السبب أو الاسباب، التي أدت إلى تقلص دور الناقد الادبي، وعدم التفات سواد القراء إلى ما يكتبه وينشره، وربما الكتاب والشعراء.. في محاولة الاجابة، نجتهد فيما يلي في إيراد سببين نراهما العصب الرئيسي والمركزي في هكذا وضع.

السبب الاول، يتمثل في التغيرات والتبدلات التي شهدها العالم، فيما يتعلق اولا بالانتقال التدريجي من الورقة إلى الشاشة المرئية، ومن الكلمة المكتوبة إلى الصورة المشاهدة، وثانيا ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وما رافقها من الانتقال من ثقافة النخبة إلى الثقافة الشعبية/ التفاعلية، وفق تعبير الناقد السعودي المبدع عبدالله الغذامي. فيما يتعلق بالشق الاول من السبب، نقول إن التحولات والتبدلات الجارية، دفعت الكثيرين، خاصة من أبناء الأجيال الطالعة، للتماشي مع الأوضاع التكنولوجية ومجاراة احداثياتها، فانصرف بعضهم عن الورقة جاريا وراء الشاشة والصورة ومكتفيا إلى حد بعيد، بمتابعة ما يود متابعته عبر الحاسوب في الأقل والهاتف النقال في الاكثر، الأمر الذي تسبب في ابتعاده نوعا ما، عن الكتب والورقيات، نسبة إلى الورق، واقترابه بالتالي من وسائل التواصل الاجتماعي وما تحفل به من كتابات شذرية قصيرة.. وقصيرة جدا. أما فيما يتعلق بالشق الثاني، وهو ذو علاقة قوية بالشق الاول، فإننا نقول إن الانتقال من ثقافة النخبة إلى الثقافة الشعبية، تسبب بصورة كبيرة في تقلص اثر الناقد الأدبي وضيق أيضا من مساحة سلطته، ونحن اذا ما لفتنا إلى أن النقد الادبي أقرب إلى النخبة منه إلى عامة الناس/ القراء ، باتت الصورة أكثر وضوحا، فما الذي يدفع قارئا متوسط الثقافة أو قليلها، لأن يتابع كتابات لا تخلو من تعقيد لناقد دارس، صاحب راي خاص، وتكاد كتابته النقدية تقترب من توجيع رأسه.

السبب الثاني، يرتبط ارتباطا عضويا بوسائل التواصل الاجتماعي، فقد اتاحت هذه الوسائل للجميع، في مقدمتهم الحمقى والأغبياء، حسب تعبير الكاتب الكندي الان دونو، صاحب الكتاب الشهير "نظام التفاهة"، لأن يكتبوا كل ما يعن لهم في الخاطر، من كتابات وترهات، ما أنزل الله بها من سلطان، مدعين أنها ابداعات من عالم اخر ومستقطبين اصدقاء لهم ومحيطين، ليقوموا بالتفاعل مع تلك الكتابات، واضعين في حساباتهم "حك لي تاحك لك". هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فقد سيدت بعض هذه الكتابات ، عبر قراء كثيرين أعجبوا بما كتبوه ونشروه، فقاموا بالاغداق عليهم باللايكات والاعجابات، الأمر الذي تسبب في تقليص دور الناقد الادبي، وادى بعدها إلى إحلال اللايك محله، كما رأى الكاتب الامريكي ارنان ماكدونالد، في كتابه الموسوم بعنوان "موت الناقد". توضيحا لما نقوله، نورد الحالة التالية، قامت قبل سنوات هاوية شابة تدعى اي. ال جيمس، بكتابة فصول أدبية روائية، ونشرتها منجمة في صفحتها الفيسبوكية. هذه الفصول اعجبت مجموعات كبيرة من القراء، ما دفع بعض المقربين منها للاقتراح عليها، أن تقوم بدفعها إلى إحدى دور النشر، فراقت لها الفكرة. قامت هذه الكاتبة من فورها بإعداد كتاباتها، مجمعة اياها في شكل كتاب، وقدمتها الى عدد كبير من دور النشر، متنقلة من رفض إلى رفض، ومتحدية عدم الموافقة على نشرها في كتاب، كما أملت ورجت. لم تياس هذه الكاتبة الشابة، وتابعت تقديمها كتابها العتيد، حتى وصلت الى دار نشر معينة، فغامرت هذه بطباعته في كتاب روائي حمل اسم "خمسون ظلا للرمادي"، لتاتي المفاجأة المذهلة، فقد انتشر الكتاب، انتشار النار في الهشيم، وأقبل عليه القراء، كما لم يقبلوا على كتاب من قبل، وجاءت النتيجة غير المتوقعة، صدر الكتاب خلال فترة قصيرة بملايين النسخ، وترجم إلى العشرات من اللغات. أما المفاجأة القائمة على مفارقة ذات علاقة وطيدة بما نقوله عن تقلص تأثير الناقد الادبي، فقد تلخصت من ناحية في رضا القراء، ممثلة بملايين اللايكات، وفي المقابل برفض وغضب النقاد، الذين أكدوا خلو الكتاب أو الرواية، من أي قيمة أدبية!!، السؤال الذي يفرض ثقله والحالة هذه، هو هل انتصار اللايك على الناقد؟..وهل مات الناقد كما رأى الكاتب الامريكي المذكور سابقا/ رونان ماكدونالد.. أم ان كل ما حدث ما هو إلا كوابيس وأضغاث احلام، سوف تنتهي، طال النوم او قصر. لتشرق بعدها شمس الناقد الأدبي مجددا.. وليعود اليه بالتالي.. اثره الملموس و...سلطته المؤثرة..




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت