تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
عبلين تكتب حكايتها: «أوراق عبلينية» من الذاكرة إلى بناء المجتمع المدني
بقلم: خالد خليفة
لم يكن إشهار كتاب «أوراق عبلينية – ذاكرة وطن صغير» في قاعة المركز الثقافي «الفانوس» في عبلين، يوم 13 أيلول 2026، مجرد مناسبة للاحتفاء بصدور كتاب جديد، بل كان حدثًا ثقافيًا استعاد فيه أبناء البلدة جزءًا من ذاكرتهم الجماعية، والتقوا حول حكاية عبلين كما عاشها الآباء والأجداد، وكما تشكلت ملامحها الاجتماعية والثقافية والتعليمية والسياسية على امتداد قرن من الزمن. وقد شهدت المناسبة حضورًا حاشدًا من أبناء عبلين، برعاية مجلس عبلين المحلي، وبالتعاون مع مؤسسات وجمعيات ثقافية محلية.
الكتاب، من إعداد الأستاذ عماد يعقوب زيدان والشاعرة آمال عوّاد رضوان، صدر عن دار الوسط للنشر في رام الله في آب 2026، وجاء في 850 صفحة، حافلًا بالصور والوثائق والأسماء والأحداث والشهادات والمواد الأرشيفية التي ترصد حياة عبلين وتحولاتها خلال مئة عام. حيث يعتبر عملًا توثيقيًا واسعًا يمكن أن يشكل مادة للبحث والدراسة الأكاديمية، لما يضمه من تفاصيل عن الحياة الاجتماعية والتعليمية والثقافية والاقتصادية في البلدة.
لكن قيمة الكتاب لا تكمن في عدد صفحاته وحده، بل في أنه يحاول أن يعيد الإنسان العبليني إلى تفاصيل حياته اليومية: إلى المدرسة والطالب والمعلم، إلى الأرض والزراعة، إلى الجمعيات والمجلس المحلي، إلى المسرح والثقافة، وإلى الشخصيات التي صنعت جانبًا من تاريخ البلدة.
فمن قرية زراعية إلى مجتمع متعلم تكشف السردية العبلينية التي يقدمها الكتاب عن مجتمع كان في أربعينيات القرن الماضي يعيش في ظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة جذريًا عن واقع عبلين اليوم. كانت الزراعة تشكل جزءًا أساسيًا من الحياة ومصدرًا مهمًا للرزق، وكانت العلاقات الاجتماعية المباشرة هي الإطار الذي تنتظم داخله حياة الناس.
غير أن التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد بعد عام 1948 تركت آثارها على عبلين، كما تركت آثارها على المجتمع الفلسطيني عمومًا. ومن هنا تأتي أهمية الوثائق التي جمعها الكتاب؛ لا تكتفي بتسجيل الأحداث الكبرى، بل تتابع انعكاساتها على حياة الناس وعلى التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية.
ومن أبرز ما يلفت النظر في هذه السردية -المكانة المبكرة للتعليم-. فالكتاب يعود إلى بدايات التعليم النظامي في عبلين، ويوثق أسماء المدارس والمعلمين والطلاب، وصولًا إلى مرحلة أصبحت فيها المدرسة إحدى المؤسسات الأساسية في تشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي للبلدة. وتشير المواد المنشورة حول الكتاب إلى أن التوثيق يعود إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مع اهتمام خاص بمسيرة المدارس وطلابها ومعلميها.
وفي العقود التالية أخذت عبلين تتغير تدريجيًا. ففي الخمسينيات والستينيات بدأ المجتمع ينتقل، من جانب الزراعة، نحو الأعمال الحرة والمهن المختلفة، وبدأ التعليم يفتح أمام أبناء البلدة آفاقًا جديدة. ثم جاءت الستينيات والسبعينيات بما حملته من مؤسسات تعليمية وثقافية وإدارية، لتتبلور تدريجيًا صورة عبلين الحديثة.
ويبرز في هذا السياق تأسيس المدرسة الثانوية في عبلين عام 1969، وما رافقها لاحقًا من حراك طلابي احتجاجًا على تغييرات في الطاقم التدريسي. كما يحتل تأسيس مدرسة مار إلياس وكلية مار إلياس، بمبادرة الأب الياس شقور، موقعًا مهمًا في المسيرة التعليمية والثقافية للبلدة. وتكشف هذه المحطات أن التعليم في عبلين لم يكن مجرد انتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى، بل كان جزءًا من التحول الاجتماعي العام الذي جعل المعرفة والثقافة عنصرين أساسيين في بناء المجتمع.
ويمكن الجزم ان قصة التعليم لا تنفصل عن قصة الإدارة المحلية. فقد يوثق الكتاب مراحل القيادة المحلية بعد عام 1948، مرورًا باللجان المحلية والمختار، وصولًا إلى قيام المجلس المحلي وتطور دوره في إدارة شؤون البلدة.
ومع اتساع المؤسسات وتنوعها، أخذت عبلين تنتقل تدريجيًا من مجتمع يعتمد بصورة كبيرة على الزراعة والاشغال التقليدية إلى مجتمع أكثر تنظيمًا وتنوعًا في المهن والتعليم والثقافة. وهنا تظهر أهمية التوثيق؛ فالتحول من القرية إلى البلدة ليس مجرد توسع عمراني، وإنما هو تحول في الإنسان والمؤسسة والعلاقات الاجتماعية وفي مفهوم المشاركة العامة.
ولعل أجمل ما يمكن استخلاصه من هذا الكتاب أن عبلين لم تتطور في مجال واحد. فقد سار التعليم والثقافة والعمل الأهلي والإدارة المحلية والنشاط المسرحي والفني جنبًا إلى جنب، وأسهم كل منها في بناء الصورة الجديدة للبلدة.
كان من اللافت في حفل الإشهار أن قاعة «الفانوس» لم تكن مكانًا لإلقاء الكلمات فقط، بل تحولت إلى مساحة للذاكرة من خلال عرض الصور والوثائق، إلى جانب الفقرات الفنية والموسيقية والكلمات التي تناولت قيمة الكتاب. وتحدث رئيس المجلس المحلي شريف حيدر عن الكتاب باعتباره مشروعًا لحفظ الذاكرة الإنسانية والتاريخية والاجتماعية والثقافية لعبلين، فيما قدم المشاركون قراءات مختلفة في تاريخ التعليم والصحافة والحياة الثقافية في البلدة.
أما عماد زيدان، أحد معدّي الكتاب، فأشار في كلمته إلى أن فكرة العمل انطلقت من حكاية عبلينية سمعها من والده الراحل يعقوب زيدان، ثم تحولت الحكاية إلى سنوات طويلة من البحث والتوثيق، بمشاركة آمال عوّاد رضوان. وهذه النقطة بالذات تمنح الكتاب بعدًا إنسانيًا: فالتاريخ لا يبدأ دائمًا في الأرشيف؛ فأحيانًا يبدأ من ذاكرة أب، أو رواية أم، أو صورة قديمة، أو اسم مكتوب في دفتر مدرسة.
وهنا يمكن أن تكون الخطوة التالية أكثر أهمية: أن يتحول إشهار الكتاب إلى نموذج دائم للنشاط الثقافي في عبلين.
فمن المناسب أن يعمل المجلس المحلي على تنظيم لقاء ثقافي شهري ثابت، يجمع أبناء البلدة من مختلف الأجيال والاتجاهات والانتماءات، حول كتاب أو شخصية أو وثيقة أو تجربة تربوية أو فنية أو تاريخية. فمثل هذه اللقاءات لا ينبغي أن تكون مناسبات احتفالية عابرة، بل مساحة للحوار والتعارف وتبادل المعرفة الدائم.
فالمجتمع المدني لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات واللقاءات والمشاركة واحترام التعددية الثقافية، وبإتاحة المجال أمام الناس ليحكوا قصصهم ويستمعوا إلى قصص الآخرين. وهذا ما عرفته المجتمعات المتقدمة عبر التاريخ: الثقافة ليست ترفًا، وإنما إحدى الأدوات التي يتعلم من خلالها المجتمع كيف يتذكر، وكيف يختلف، وكيف يتحاور، وكيف يبني مستقبله.
فعندها يصبح الكتاب أكثر من صفحات ووثائق؛ يتحول الى نقطة انطلاق لحوار عبليني متواصل، ولثقافة مدنية تعرف ماضيها، وتعيش حاضرها، وتشارك في صناعة مستقبلها.
