تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
رمزي سليمان
حتى ولو نصبوا الصليب
الصورة المرفقة التقطتُها قبل أيام وأنا جالس ساعة مساء في مطعم على حافة الشاطئ في مدينة كوليمباري، حيث شاركت في المؤتمر الدولي الرابع الذي ينظمه سنويا مجمع الفيزياء "سيرن" (CERN)، مشاركة مع الأكاديمية الأرثوذكسية اليونانية في كريت، والذي انعقد تحت عنوان "آفاق جديدة في الفيزياء" (New Frontiers in Physics).
ربما بإيحاء من الأخطبوط المعلق على الحبل، والذي جعلني لحظة رأيته أفكر بكلمة Crucifixion (صلب)، وربما أيضا بإيحاء من عنوان مساهمتي في المؤتمر، والذي يبدأ بعبارة "لو كان الله يلعب النرد..." (تناص مع جملة أينشتين الشهيرة "God Does not Play Dice")، فإنني رُحت أفكر في الاعتقاد السائد في الديانة المسيحيّة، عن أن تضحية الرّب الأب بابنه الوحيد، والذي لن يكون ثان له، وقبول الابن يسوع بالتضحية بجسده، قد جاءتا تجسيدا لمشيئة الآب أن يموت ابنه لمغفرة خطايا البشر، وقبول الابن يسوع بأن يتعذب ويموت فداء للبشر. هذا الاعتقاد، الذي تشترك فيه كافة الطوائف المسيحية، يقول أنك إن آمنت بالدين المسيحي وبأن يسوع المسيح هو مخلّصك، الذي مات من أجلك، وقام من بين الأموات وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، فأن كل ذنوبك سوف تُمحَى، فلا يبقى عليك دين وقت تحين ساعة الحساب.
واذا سمح لي أن أجتهد، والاجتهاد من المحامد، فان بإمكاني القول أن لمثل هذه القراءة نواقص عديدة، أذكر منها باختصار أنها تشجع كل من يريد على التسلق على يسوع الناصري. فمبدئيا، يستطيع كل من تسول له نفسه ان يرتكب السيئات مهما عظمت، ومن ثم أن يقبل بالعقيدة المسيحية وبأن يسوع المسيح قد مات على الصليب تكفيرا لخطاياه وخطايا البشر أجمعين (إلى دهر الداهرين)، فتمحى له خطاياه كلها!
والنقيصة الثانية في نظري، هي ان الرواية المسيحية السائدة لحادثة صلب المسيح وموته وقيامته، تُركّز بقدر شبه كامل على الابن يسوع، في حين يبقي الرب الآب، وهو السيد، في الظل، بل وخارج الصورة. الفهم الذي سوف يخلص اليه، على الأغلب، كل من يرى في هذه الرواية القصة بكاملها، ولا يسأل عن خفاياها، هو أن المسيح قد قبِل، أو حتى قد قرّر بنفسه، أن يُصلب ويموت مضحيا بروحه، ليخلصنا من خطايانا (وأنه بقيامته من الموت، وهو الأمر الذي لا يقدر عليه البشر، قد أكد على ألوهيته). هذه الرواية تُفقدنا الكثير، فعدى عن فتحها لنا الباب على مصرعيه، لإلقاء وزر خطايانا على المسيح وعدم مواجهة المسؤولية عنها وتحمل عواقبها، فإنها تُغفل وجود الله الأب، مع أنه هو الآمر المسؤول، الذي صبر ولم يستجب لتوسلات ابنه الوحيد وهو يئن من الألم "إلهي إلهي لماذا تركتني".
ما قد أسلفت يستحق أن يقال عنه الكثير، لكني سوف أكتفي هنا بطرح مختصر لرأي آخر أراه محتملا وجديرا بالنقاش. في اعتقادي فإن المغزى من رواية حادثة صلب المسيح هو ليس فكرة التضحية التي قام بها يسوع (ووالده الآب) لتخليصنا من خطايانا. بل ان المغزى في رأيي هو أن الآب والأبن قد دفعا أبهظ الأثمان، كي يضعا أمامنا، بأصعب الطرق أصعب المُثُل، ألا وهو أننا إن كنا نؤمن بمبدأ نبيل، فيه ما ينفع الناس، ونراه من اسس حياتنا ومعنى كينونتنا، فإنه يتوجب علينا أن نمشي الطريق نحوه من دون خوف أو وجل، وأن نعتلي، إذا ما قدر لنا، خشب صلباننا، ونحن راضون مرضّيون.
وإن كان يسوع ابن مريم هو أول من عُلّق على خشبة بسبب تمسكه بمبادئه الكريمة وتبشيره بها، فإنه ليس بالأخير، فتحت كل شمس، كان وما زال أحرار ذوو مبادئ عالية يسعون نحوها ويكرزون بها ولا يخافون، وإن اعترضتم صلبانهم، يعتلوها "شهداء أغنية وشمس".
