تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
بقلم: رانية مرجية
في الوقت الذي يفاخر فيه العالم بخطواته نحو الحداثة، ويحتفل بشعارات المساواة وحقوق الإنسان، تمضي المرأة العربية في طريقٍ يبدو أكثر وعورةً كلما حاولت أن تكون ذاتها.
وفي اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، يتقدّم سؤال لا يملك أحدٌ رفاهية تجاهله:
كيف غدا الأمان ترفًا لا تنعم به كل النساء؟ ولماذا تتحول العدالة إلى معركة تخوضها المرأة كما لو أنها تطلب المستحيل؟
هذا السؤال ليس نظريًا، بل يولد من واقع تتكرر فيه الاعتداءات والانتهاكات، وتتبدّل القصص دون أن يتبدّل جوهر الألم.
العنف ضد المرأة العربية ليس تفصيلاً في الهامش، ولا خطأً فرديًا في سلوكٍ منحرف.
إنه ظاهرة ممتدة تعكس اختلالًا في ميزان القيم، وانحيازًا اجتماعيًا قاتلًا، وتقاليد تُفرغ الحياة من معناها حين تُمارَس باسم الشرف أو السلطة أو الخوف.
إن أشكال العنف وإن اختلفت—جسدي، نفسي، اجتماعي، اقتصادي—إلا أن مصدرها واحد:
ثقافة ترى في المرأة كائنًا يجب ضبطه لا تمكينه، وتُخضع وجودها لمعايير تُناقِض حقها الطبيعي في الاختيار والأمان.
امرأة تُحاسَب لأنها موجودة.
وأخرى تُؤذى لأنها قررت.
وثالثة تُواجه الضغوط لأنها قالت “لا”.
هذه الحكايات ليست فردية؛ إنها مرآة تعكس وجعًا عربيًا مشتركًا.
الإعلام بقوته وقدرته على تشكيل الوعي لعب دورًا مزدوجًا:
لسنوات طويلة، قدّم الإعلام المرأة في صورة المستهلكة أو الضعيفة أو الضحية، ما جعل ألمها مادة تفاعلية لا قضية حقوقية.
هكذا يتحوّل العنف إلى خبر عابر، تُناقشه الشاشات ثم تنساه.
ظهرت منصات ووجوه إعلامية وأقلام جادة أعادت تعريف دور الإعلام في حماية النساء:
ففتحت ملفات مغلقة، وسلطت الضوء على القصص التي حاول المجتمع دفنها تحت الخوف، وقادت حملات ضغط لتغيير قوانين أو تعديلها.
لم يعد مطلوبًا من الإعلام أن ينقل، بل أن يحلل ويكشف ويفكك البنية التي تسمح بإعادة إنتاج العنف.
ثقافة تعتبر المرأة مشروع قاصر، حتى وإن بلغت أعلى الدرجات العلمية والمهنية.
وصاية تتجاوز الرعاية لتصبح سلطة لا تعترف بحق المرأة في تقرير حياتها.
رغم التقدم في بعض الدول، لا تزال القوانين في دول أخرى عاجزة عن الردع أو الحماية أو توفير مسارات آمنة للشكوى.
الصمت الاجتماعي—سواء باسم العيب أو الخوف أو “درء الفضيحة”—هو اليد التي ترفع الغطاء عن المعتدي وتضع العبء على الضحية.
ورغم هذا المشهد، تواصل المرأة العربية فعل ما تجيده عبر التاريخ: النهضة من الرماد.
هي لا تطالب بامتيازات ولا تطلب استثناءات؛
ما تطلبه بسيط وعادل:
أن تحيا بكرامة،
أن تُعامل كبشر كامل الحقوق،
أن يكون القانون سندًا لا عائقًا،
وأن يكون المجتمع حاضنة لا محكمة.
إن قدرة المرأة العربية على النهوض ليست دليلًا على قبول الألم، بل دليلًا على رفضه… ورفض أن يكون قدرًا.
هذا اليوم ليس مناسبة للتزيين الرمزي، بل مِنصّة للمحاسبة.
مرآة نرى فيها حقيقة أن العنف ضد المرأة ليس حدثًا يُستنكر وينتهي، بل مسألة مصيرية تحدد شكل المستقبل الذي نريد أن نمنحه لأبنائنا وبناتنا.
إن حماية المرأة ليست رفاهية، وليست منّة من أحد؛
إنها شرط نهضة وطنية،
ومؤشر حضاري،
وأساس لأي مجتمع يطمح للعدل وللاستقرار.
فالمرأة ليست تفصيلًا في رواية الأمة؛
إنها الرواية كلها… وإذا لم يُحمى قلب المجتمع، فلن يستقيم جسده
