تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
الصيام عادة تزكي وعبادة ترقي وزيادة تثمر
إعداد الشيخ محمود وتد- عضو حركة الدعوة والإصلاح
حين يهلّ شهر الصيام، لا يدخل علينا كضيفٍ عابر، بل كمدرّبٍ يحمل في يده مرآة، وفي الأخرى ميزانًا. مرآة نرى فيها أنفسنا، بلا مساحيق الأعذار، وميزانًا نزن به أفعالنا وهمسات قلوبنا. الصيام ليس امتناعًا عن طعامٍ وشرابٍ فحسب، بل هو هندسةٌ جديدة لعلاقتنا مع الرغبة، ومع الوقت، ومع الله.
أولًا: عادة تزكّي
الإنسان ابن العادة، والعادات خيوطٌ دقيقة تنسج شخصيته يومًا بعد يوم. فإذا كانت بعض العادات تُثقِل الروح، فإن الصيام يعيد ترتيب الخيوط، ويعلّم الجسد أن يقول للرغبة: تمهّلي.
نعتاد في أيامنا أن نستجيب فورًا: نجوع فنأكل، نغضب فنصرخ، نملّ فنلهو. لكن الصائم يتدرّب على مساحةٍ صغيرة بين الشعور والاستجابة، مساحةٍ اسمها “الوعي”. هناك، في تلك اللحظة الصامتة قبل الأذان، تتكوّن شخصية جديدة أكثر اتزانًا.
ومع تكرار الأيام، يصبح الصبر عادة، ويغدو ضبط النفس مهارةً تلقائية. كأن الصيام يعيد برمجة الداخل، فيتحوّل الامتناع المؤقت إلى قوةٍ دائمة. إنّه تزكيةٌ لا تُرى بالعين، لكنها تُلمَس في هدوء الكلمات، وفي رحابة الصدر، وفي نظرةٍ أقلّ قسوة على الناس.
ثانيًا: عبادة ترقي
الصيام عبادة سرّية؛ لا يطّلع على حقيقتها إلا الله. تستطيع أن تختبئ عن أعين البشر، لكنك لا تختبئ عن رب البشر. لذلك كان الصيام ميدان الإخلاص، وسُلّم الارتقاء.
في ساعات الجوع، تكتشف هشاشتك، وفي لحظات العطش، تتذكّر حاجتك. كل رشفة ماء مؤجَّلة تذكيرٌ بأنك عبد، وكل دقيقة صبر خطوةٌ على طريق القرب. ليس الصيام تعذيبًا للجسد، بل تحريرًا للروح من سطوة العادة. إنه يخفّف الضجيج الداخلي، فتعلو فيه همسة الدعاء.
وحين يطول النهار، لا يطول عبثًا؛ بل ينسج في قلب الصائم خيطًا من نور. قيامٌ في الليل، قرآنٌ يُتلى، دعوةٌ صادقة في جوف السحر. هكذا يرتقي الصائم درجةً بعد درجة، حتى يشعر أن قلبه صار أخفّ، وأن الدنيا لم تعد تمسكه كما كانت.
ثالثًا: زيادة تثمر
والصيام ليس خسارةً في السعرات، بل زيادةٌ في المعاني. يزيد رصيد الرحمة، لأن الجائع يعرف معنى الجوع. ويزيد رصيد الشكر، لأن لقمة الإفطار تبدو نعمةً بحجم الكون. ويزيد رصيد العطاء، لأن من ذاق الحاجة رقّ قلبه.
ثم إن للصيام ثمرًا يتجاوز الشهر نفسه. من تعلّم أن يقول “لا” لشهوةٍ مباحة، يستطيع أن يقولها لما هو محرّم. ومن اعتاد قيام الليل، لا يترك الصلاة بعد العيد. ومن ذاق لذة القرب، لا يرضى بالبعد.
كأن الصيام شجرةٌ تُغرس في رمضان، لكن ظلّها يمتدّ طوال العام. إن سُقيت بالمداومة أثمرت خلقًا حسنًا، ولسانًا طيبًا، ويدًا معطاءة. وإن أُهملت، ذبلت سريعًا. لذلك كان السؤال بعد كل موسم: ماذا أبقيت من صيامك؟ أهو جوعٌ مضى، أم نورٌ بقي؟
