تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
بقلم:نسرين مرقس
السكرتيرة العامة لحركة النساء الديموقراطيات في اسرائيل
يحلّ يوم المرأة هذا العام، كما في العامين الماضيين، في ظل حربٍ عدوانية تجر المنطقة إلى دوامة دمار واسعة، يدفع ثمنها المواطنون، وتدفع النساء نصيبًا مضاعفًا منه. هذا التزامن القاسي يثبت أن يوم المرأة ليس مناسبة رمزية للاحتفال واستعراض الإنجازات فحسب، بل هو يوم محاسبة ومراجعة عميقة للمجتمعات بأسرها، لا للنساء وحدهن فقط.
أحد أهداف يوم المرأة هو إبراز مطالبنا كنساء، لا الاكتفاء بالمطالبة بالمساواة في الحقوق والتمثيل، على أهميتهما في مسار النضال النسوي، بل إعادة تعريف هذه الأولويات نفسها في واقع يشتعل بالحروب والتجويع والإبادة. فخلال السنوات الثلاث الأخيرة، تزامن يوم المرأة مع حروب دامية، ومع جرائم حرب بلغت حد الإبادة في قطاع غزة. في هذا السياق، تتحول أولويات النساء من السعي إلى المساواة في الحقوق والفرص والكرامة الانسانية، إلى النضال من أجل الأمان: الأمان الجسدي والنفسي، الأمان في مسكن يؤويها ويؤوي عائلتها، الأمان في احتضان عائلتها والحصول على الرعاية الصحية الأساسية، والصمود أمام التجويع والبحث عن الفتات. كذلك، وفي حالة النساء الفلسطينيات الواقعات تحت الاحتلال، تسعى النساء للنضال لأجل الأمان من اعتداءات المستوطنين كما يحدث في الضفة الغربية وغور الأردن، حيث تنقلب حياة الفلسطينيين جميعاً إلى جحيم، بل ويُدفعون إلى ترك بيوتهم والرحيل قسرًا. أما هنا في إسرائيل، فتعيش النساء بين صفارات الإنذار وأعباء الحياة اليومية. فحالة الحرب المتكررة كل بضعة أشهر تترك أثرًا عميقًا في شعور النساء بالأمان: أمهات، عاملات، طالبات وناشطات. كما تواجه الأمهات والزوجات والأخوات في المجتمع العربي واقعًا مؤلمًا في ظل تفشي الجريمة المنظمة، حيث تسقط ضحايا لا يُؤخذ ألم ذويهن بالحسبان؛ نساء فقدن أزواجهن وأبناءهن وإخوتهن وأحفادهن، وتعشن تحت وطأة الصدمات النفسية وفقدان الأمان والخوف الدائم. في زمن الحرب، يصبح العبء مضاعفًا على العائلات: الصمود بحالة الطوارئ التي يفرضها الاحتلال والحرب والمواجهات مع المُحتَل، وتحمل مسؤولية الحماية والرعاية في ظل قلق لا يهدأ.
كل ذلك يترافق مع تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية والملاحقة السياسية، الذي يطال النساء العربيات؛ بل وبالنساء اليهوديات التقدميات اللواتي يُتَّهمن بالخروج عن "الإجماع الوطني" على حد سواء، ما يضاعف هشاشتهن في الفضاءين العام والخاص. ولا يقتصر هذا الواقع على نساء هذه البلاد. فالنساء الإيرانيات يعشن أيضًا في ظل الحرب والفقدان، وقد أثبتت أحداث الأيام الماضية، بما فيها مقتل طالبات صغيرات في إحدى المدارس في إيران مع اندلاع المواجهات. أن النساء والفتيات اللواتي لا تمثلن طرفاً في قرارات الحكومات المعتدية يدفعن ثمنًا باهظاً بالأزمات عندما تصبحن ضحايا للعدوان وما يتبعه من انعكاسات على حياتهن. ويتكرر المشهد في مناطق عديدة بالدول التي تقع ضحية حروب تشن على سيادتها كما في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وغيرها: من فلسطين إلى السودان، ولبنان وسوريا واليمن. في كل هذه الأوضاع، تتحمل النساء الخسارة والتهجير والفقر والصدمة النفسية وانهيار شبكات الحماية الاجتماعية. ما دامت الحرب والنزاعات السياسية والإقليمية بقيت، حتى اليوم، مساحة ذكورية بامتياز، يبدو السلام ضرورة نسوية بامتياز أيضًا لأن غياب النساء عن دوائر اتخاذ القرار، محلياً وأقليمياً وعالميًا، خسارة يدفع ثمنها الجميع.
فحين تُدار الحروب بعقلية القوة والهيمنة، تتهمش قيم الرعاية والحياة والعدالة الاجتماعية فإشراك النساء في مسارات السلام ليس مسألة تمثيل رمزي، بل ضرورة استراتيجية وأخلاقية. وجود النساء على طاولة المفاوضات يغيّر طبيعة النقاش، ويعيد تعريف الأمن ليشمل الأمن الإنساني: الغذاء، الصحة، التعليم والكرامة. فالنساء يؤدين أدوارًا محورية في الأزمات — في الحروب، والاحتلال، والكوارث البيئية — ومن حقهن أيضًا ضمان حياة آمنة وكريمة.ولا حاجة لتكرير ما قيل عن التجارب العالمية من اتفاقيات السلام التي تشارك بها النساء. وفي ظل الاستقطاب السياسي الحاد وتصاعد الفاشية والعنصرية، يصبح التضامن النسوي العابر للحدود ضرورة ملحة، فرغم اختلاف الهويات والمواقف، تشترك النساء في خوفهن على عائلاتهن وفي حقهن بحياة كريمة وآمنة. من هنا، تبرز أهمية بناء شبكات تضامن بين نساء المنطقة والعالم، وتعزيز مبادرات نسوية مشتركة تدعو إلى وقف التصعيد، وتخلق مساحات حوار إنساني تتجاوز لغة السلاح. في زمن تعلو فيه صفارات الإنذار وتسقط الصواريخ، وتُختزل السياسة في استعراض القوة، يبقى صوت النساء ضرورة أخلاقية وسياسية. صوت يذكّر العالم بأن الحياة أولًا، وأن الكرامة ليست مطلبًا مؤجلًا إلى ما بعد الحرب، بل شرطًا أساسيًا لوقفها.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا في يوم المرأة: هل انتصرت الإنجازات التي نتباهى بها في المؤتمرات والبيانات الرسمية، أم انتصر منطق الحرب الذي سيؤدي الى اعادة النساء إلى نقطة البداية، ربما؟ ما معنى ارتفاع نسبة التمثيل البرلماني إذا كانت السياسات نفسها تنتج حربًا وحصارًا وفقرًا وخوفًا؟ خاصة عندما يكون التمثيل على شاكلة المستوطنة اوريت ستروك أو ليمور سون ميليخ؟ ما قيمة قوانين متقدمة على الورق، إذا كانت المنطقة تدار بعقلية عسكرية — عقلية التوسع والاستيطان والحروب المتتالية ونهب ثروات الشعوب — التي تُجهض مسارات السلام كما تُجهض مسارات المساواة؟ كل صاروخ يسقط، وكل ميزانية تُحول إلى السلاح بدل التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي، هو اقتطاع مباشر من حقوق المواطنين عامة، ومن حقوق النساء خاصة، وهنّ من الفئات الأكثر تهميشًا. وحين تُفرض حالة الطوارئ كواقع دائم، تتراجع قضايا العدالة الاجتماعية إلى الهامش، ويُطلب من النساء الصمت باسم “الإجماع الوطني” أو بذريعة أن "الوقت غير مناسب".
في يوم المرأة، لا يكفي أن نطالب بالمساواة داخل نظام يكرس الحرب أداةً سياسية. التحدي الحقيقي هو مواجهة السياسات التي تجعل من العنف واقعًا دائمًا، وربط النضال النسوي بمناهضة الحرب والاحتلال والعسكرة والعنصرية. هكذا فقط نمنع تحوّل يوم المرأة إلى طقس سنوي فارغ، بل إلى يوم نضالي من أجل إنهاء جحيم الحروب والعنف والجريمة، وتحقيق العدالة التي تعيد النساء — ومعهن المجتمعات بأسرها — من معركة البقاء إلى أفق الحياة. وما دام لا الإنجاز قد انتصر، ولا جحيم الحرب قد انكسر، وبما أن انجاز التمثيل النسائي بشكل عام لم يضمن السلام للشعوب التي تطمح للسلام والحرية فإن نضال النساء — من أجل المساواة حينًا، ومن أجل الحياة حينًا آخر — مستمر، ولن يتوقف.
