X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أراء حرة
اضف تعقيب
16/04/2026 - 09:08:53 pm
عبلين… حين تصبح الأعياد لغة مشتركة

عبلين… حين تصبح الأعياد لغة مشتركة

بقلم:الدكتور سهيل جميل الحاجّ

قبل ثلاثة أسابيع فقط، وفي صباحٍ هادئ من صباحات عيد الفطر السعيد، خرج حبيب سليم الحاج (أبو سليم)، متكئًا على سنوات عمره الستة والتسعين وعلى عكازه، لابسًا كوفيته، بقلبٍ ما زال يعرف الطريق جيدًا. لم يكن خروجه عاديًا، ولم تكن خطاه  على ثقلها في الشارع القديم مجرد حركة يومية؛ بل كانت وفاءً يمشي على قدمين.

توجّه أبو سليم إلى بيت صديقه ورفيق دربه، المرحوم راجي النجمي ليعايد زوجته ام الفهد. ذلك البيت الذي عرفه سنوات طويلة، بيتٌ لم يعد صاحبه واقفًا على بابه ليستقبله كما اعتاد، لكنه بقي عامرًا بالذكرى، بالحضور الذي لا يغيب، وبالعلاقة التي لا تنتهي بالموت.

وقف الرجل العجوز على عتبة البيت، لا يحمل شيئًا سوى ذاكرة ممتدة، وصداقة صمدت أمام الزمن. كانت المعايدة هذه المرة مختلفة؛ لم تكن بين رجلين يتبادلان التهاني، بل بين حيٍّ يزور صديقه الغائب، ليقول له "إن العيد ما زال يجمعهما، وإن ما بنياه معًا لم ينكسر برحيل أحدهما."

في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مجرد زيارة، بل كان اختصارًا لحكاية عبلين كلّها. حكاية الجيرة التي تتحول إلى أخوّة، والعلاقات التي تتجاوز حدود الدين والزمن، لتصبح جزءًا من هوية المكان.

ومن هذا المشهد الصغير، الذي قد يمرّ عند البعض كخبر عابر، يمكن أن نفهم سرّ عادةٍ جميلة تعيشها عبلين منذ عقود: أن يتبادل المسلمون والمسيحيون المعايدة في أعيادهم، لا كواجب اجتماعي، بل كامتداد طبيعي لعلاقة إنسانية عميقة.

في عالمٍ يكثر فيه الحديث عن التعايش، وتقلّ فيه نماذجه الحقيقية، تقف عبلين بهدوء، دون ضجيج، لتقدّم درسًا يوميًا فيما يمكن أن يكون عليه الإنسان حين يختار أن يرى الآخر شريكًا لا غريبًا.

في  عبلين لا تُقاس الأعياد فقط بمواقيتها الدينية، بل بما تتركه في القلوب من دفءٍ مشترك. هنا، تتحول المعايدة إلى طقس اجتماعي عميق، يكاد يكون بديهيًا: في الأعياد الإسلامية، ترى العائلات المسيحية  والوفود الرسمية تبادر إلى التهنئة، وكأنها تقول: “فرحكم هو فرحنا”. وما إن تحلّ أعياد الميلاد أو الفصح، حتى تتكرر الصورة، لكن بأدوار متبادلة؛ فيدخل المسلم إلى بيت جاره المسيحي وكذلك الوفد الرسمي، مهنئًا، بصدقٍ لا يحتاج إلى تكلف.هذه ليست عادة طارئة، بل امتدادٌ لحياة طويلة من الجيرة الحقيقية.

في عبلين، لم يكن الناس يومًا جيرانًا فقط، بل كانوا — وما زالوا — أهلًا، تقاسموا الخبز والماء، كما تقاسموا الهمّ والفرح. من هنا، جاءت المعايدة المتبادلة كتعبير طبيعي عن هذا النسيج، لا كفعل مقصود لإثبات شيء، بل كحالة عفوية نابعة من عمق العلاقة.

وما يميز هذه الظاهرة في عبلين أنها لا تُفرغ الأعياد من معناها الديني، ولا تذيب الخصوصيات، بل على العكس، تعمّقها. فكل طرف يحتفل بعيده كما يشاء، وفق إيمانه وتقاليده، لكن هذا الاحتفال لا يُغلق الباب، بل يفتحه للآخر. وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: "نحن جيران  واهل".

كم من طفل في عبلين يكبر اليوم وهو يرى هذا المشهد يتكرر كل عام، فأصبح جزءًا من ذاكرته. فهذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عادية، هي في الحقيقة التي تبني الوعي الجمعي، وتُشكّل نظرة الإنسان للآخر منذ الصغر.

ولعل الأجمل في هذه التجربة أنها صامتة. لا تحتاج إلى بيانات ولا إلى شعارات. فهي لا تقول “نحن نتعايش”، بل اننا نعيش ذلك فعليًا.

وفي زمنٍ أصبح فيه التعايش شعارًا يُرفع أكثر مما يُمارس، تبدو عبلين وكأنها تهمس: “الأمر أبسط مما تظنون… فقط كونوا بشرًا وتذكروا كيف عاش أهلنا على الحلوة والمرة، وكيف واجهوا صعوبة الحياة وكذلك لحظاتها الجميلة، وكيف تقاسموا رغيف الخبز وصحن الطبيخ.وكيف تشاركوا الافراح والاتراح، وكيف هبوا لمساعدة الجار في حقله.. وكيف وكيف.."!!

إن هذه المعايدة المتبادلة ليست مجرد مجاملة اجتماعية، بل هي فعل مقاومة هادئة لكل من يحاول أن يزرع الانقسام. وهي في الوقت ذاته، شكل من أشكال الحفاظ على الهوية الجماعية للقرية، حيث يبقى الإنسان فيها مرتبطًا بمحيطه، لا منعزلًا عنه.

ربما لا تُدرك عبلين دائمًا قيمة ما تملكه، لأن هذه العادة جزء من حياتها اليومية. لكن من ينظر إليها من الخارج، يرى فيها نموذجًا يستحق أن يُروى، وأن يُحتذى. نموذجًا يقول إن العيش المشترك ليس مشروعًا نظريًا، بل ممارسة تبدأ بكلمة: “كل عام وأنتم بخير وعبلين بالف الف خير”…

تصوير الأخ زايد داموني:أبو سليم وشيخ القرية حسن حيدر




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت