X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أراء حرة
اضف تعقيب
28/05/2026 - 05:42:56 pm
ليلى جهجاه… الطفولة التي عبرتْ من بين الرصاص 

ليلى جهجاه… الطفولة التي عبرتْ من بين الرصاص 

بقلم رانية مرجية

ثمةَ أوطانٌ يُولد فيها الأطفال وهم يعرفون أسماء الزهور،
وثمة أوطانٌ أخرى يتعلّم فيها الأطفال، باكرًا، كيف يميّزون بين صوت الرصاصة وصوت الباب.

أما نحن، الفلسطينيين في هذه البلاد المعلّقة بين الخوف والنجاة المؤقتة، فقد أصبحنا نعيش زمنًا أكثر وحشية من الموت نفسه: زمنَ الاعتياد عليه.
وهذا هو الخراب الحقيقي؛ ليس أن يُقتل الناس، بل أن يتآكل الذهول، وأن تفقد الفاجعة قدرتها على إيقاظنا.

الطفلة ليلى جهجاه، ابنة الأعوام السبعة، لم تكن تعرف شيئًا عن الشجارات، ولا عن الثأر، ولا عن فائض الكراهية الذي يتجوّل في الشوارع محمولًا على أكتاف الرجال.
كانت تعرف، على الأرجح، أشياء صغيرة فقط: لون حقيبتها المدرسية، يد أمها، طعم الحلوى، وخوف الليل.
لكنّ الرصاص لا يسأل الأطفال عمّا يعرفونه.
الرصاص، حين يشيخ داخل مجتمعٍ ما، يصبح أعمى.

لهذا لا تبدو ليلى، في موتها، ضحية شجار عابر، بل ضحية زمنٍ كامل.
زمنٍ انكسرت فيه هيبة الإنسان، حتى صار الدم حدثًا يوميًا، وصار القتيل رقمًا سريعًا في شريط الأخبار، وصارت الأمهات يدفنَّ أبناءهنّ فيما العالم يواصل يومه بشكل طبيعي، كأنّ شيئًا لم يحدث.

ما الذي يجعل مجتمعًا كاملًا يقف على هذا الحدّ الهشّ بين الحياة والهاوية؟
كيف يتحوّل الخوف المتراكم داخل الناس إلى عنفٍ يتغذّى من أجسادهم هم؟
وكيف يصبح الفلسطيني، المثقل أصلًا بتاريخٍ طويل من الاقتلاع والقهر، خائفًا من ابن حارته بقدر خوفه من العالم؟

ليست الجريمة هنا حادثة منفصلة عن سياقها، ولا الرصاصة مجرّد معدن خرج من سلاح.
الرصاصة، في حقيقتها، هي اللحظة الأخيرة فقط من سلسلة طويلة من التصدّعات: تصدّع العائلة، تصدّع المعنى، تصدّع الأمان، وتصّدع العلاقة بين الإنسان ونفسه.

في المجتمعات المتعبة، لا يظهر العنف فجأة.
إنه ينمو ببطء، مثل العفن على الجدران الرطبة.
يبدأ حين يشعر الإنسان أنّ حياته بلا قيمة كافية، وأنّ العدالة بعيدة، وأنّ أحدًا لا يسمعه، ثم يتحوّل الغضب تدريجيًا إلى لغة، والخوف إلى سلوك يومي، والقسوة إلى شيء عادي تمامًا.

وهكذا يصبح السلاح أكثر إقناعًا من العقل، وأكثر حضورًا من القانون، وأكثر قدرة على فرض الهيبة من الأخلاق.

لكنّ الكارثة الأكبر ليست في وجود القتلة فقط، بل في تلك المساحة الرمادية التي نصنعها حول الجريمة كي نستطيع احتمالها.
نسأل عن اسم العائلة، وعن خلفية الشجار، وعن التفاصيل الصغيرة، بينما الحقيقة الوحيدة التي تستحق الوقوف أمامها هي أنّ طفلةً خرجت من الحياة قبل أن تفهمها.

أيُّ خرابٍ هذا الذي يجعل طفولةً كاملة تسقط برصاصة طائشة؟

الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين كتب يومًا أنّ “كل وثيقة حضارة هي، في الوقت نفسه، وثيقة بربرية”.
وأحيانًا يبدو أنّنا نعيش هذه البربرية في أكثر صورها قسوة؛ لا لأنّنا شعب يحبّ الموت، بل لأنّنا شعبٌ أُنهك طويلًا حتى اختلطت داخله الحدود بين النجاة والعطب.

الفلسطيني في الداخل يعيش اليوم بين عنفين:
عنف البنية السياسية التي همّشته عقودًا، وعنف الداخل الذي يتكاثر كندبة مفتوحة في الروح الجماعية.
وحين يُحاصر الإنسان بالخوف من الخارج والخوف من الداخل معًا، يصبح البيت نفسه مكانًا مؤقتًا للنجاة، لا مكانًا للحياة.

ومع ذلك، لا شيء يبرّر الرصاصة.
لا الفقر، ولا التهميش، ولا الغضب، ولا التاريخ الثقيل.
لأنّ المجتمعات التي تفقد قداسة الطفل، تفقد آخر ما تبقّى من إنسانيتها.

ليلى جهجاه ليست خبرًا حزينًا فقط.
إنها سؤال أخلاقي كامل.
سؤال معلّق فوق هذا المجتمع كلّه:
كيف وصلنا إلى مرحلةٍ لم يعد فيها الأطفال يموتون في الحروب وحدها، بل في الشوارع، قرب البيوت، وبين الناس الذين يشبهونهم؟

ربما لأنّ الموت، حين يبقى طويلًا بين البشر، يتعلّم أسماءهم.
ثم يبدأ، بهدوء، بأخذ الأطفال أولًا




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت