تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
أزمة الديمقراطية التمثيليّة هي أزمة الاجتماع
بقلم: مرزوق الحلبي
تتجسّد أزمة الديمقراطية التمثيلية كما نراها عبر العالم في سلسلة من الظواهر. في رأسها وصول أناس غير أكفاء وتافهين (الوسطيّون كما وصفهم ألان دونو في كتابه "نظام التفاهة") إلى مفاصل الحكم. وفي جوهرها، ضعف القرار السياسي الوطني مقابل القوى الخارجية وتدخّلات خارجية في عملية الانتخابات التشريعية الوطنية تُفرغ البرلمانات من مضمونها وتجعل من الانتخابات تدبيرًا شكليًا لا جوهريًا لتكريس النظام لا لتداوله. وقد شغلت الأزمة باحثي علوم الاجتماع والسياسة، فيقاربونها كلٌّ من زاوية أخرى، بيد أنهم يُجمعون على أن الديمقراطية التمثيلية القائمة على مبدأ انتخاب الشعب لممثّليه إلى دوائر الحكم وتفويضهم في إدارة الدولة والمجتمع قد وصلت إلى نهايتها، لا سيما مع اندفاع سيرورات العولمة في دكّ الحدود والسيادات، وخلق سيولة عابرة للدول.
أما إذا رجعنا إلى التنظيرات في النصف الأول للقرن الفائت، فسنجد أن بذور الأزمة كانت معروفة آنذاك عند منظّري "النخبة السياسية" في إيطاليا وألمانيا وسواهما. فقد صاغ الإيطالي/الألماني روبرت مايكلز (1876–1936) في وقت مبكر نسبيًا نظريته القائلة "القانون الحديدي لحكم الأقلية"، الذي قضى بما معناه أن الأحزاب السياسية، بما في ذلك التي تُعتبر اشتراكية منها، لا يمكن أن تكون ديمقراطية لأنها سرعان ما تحوّل نفسها إلى أوليغارشية بيروقراطية. وكان ميكلز من المتحلقين حول ما سُمّي بنظرية النخبة (Elite theory)، وهي نظرية تسعى إلى وصف وشرح علاقات القوة في المجتمع المعاصر، وتفترض أن أقلية صغيرة، تتكوّن من نخب اقتصادية، وشبكات تخطيط السياسات، تشكّل سلطة مستقلة في الدولة، بعيدًا عن العملية الانتخابية الديمقراطية التي تأتي بأشكال مختلفة. وهذه النظرية مرتبطة بقوة مع مفاهيم بناء الدولة، وبناء الأمة، وهي في العادة عمليات غير ديمقراطية في جوهرها. أما "الانتخابات وفق هذه النظرية (وسنجد لها مقابلًا في الاقتصاد عند فلفريدو باريتو الذي رأى أن 20% من السكان في إيطاليا يملكون نحو 80% من الثروة) فتأتي لتمرير سياسات أولئك الـ 20%".
ليس هذا فحسب، فقد أشار كثيرون إلى الأزمة محاولين اقتراح حلول ومخارج، ومنهم كولن كراوتش (Colin Crouch) الذي طبع بميسمه مصطلح "ما بعد الديمقراطية" (Post-Democracy)، وتوقف عند قدرة الأقلية على العبث بالرأي العام وتصميمه بشكل لا يخدم جوهر العملية الديمقراطية، وفي أساسها تمثيل مصالح الناس. وهو ما أكّده يان-فيرنر مولر (Jan-Werner Müller) في كتابه "ما هي الشعبوية؟"، وقدّم فيه تحليلًا دقيقًا لكيفية استغلال الشعبويين لأزمة التمثيل الديمقراطي لتهميش دور المؤسسات التمثيلية لصالحهم. حصل هذا بروزًا في أوروبا النصف الأول من القرن الماضي، حينما سيطرت النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا وإسبانيا كأنظمة شعبوية صعدت على متن وسائل الاتصال الجماهيري، كما يؤكّد منظّرو مدرسة فرانكفورت في حينه.
أما يورغن هابرماس المتأخر (من الرموز الأخيرة لمدرسة فرانكفورت النقدية، توفي في آذار/ مارس الماضي) فقد جزم بوصول الديمقراطية التمثيلية إلى نهايتها في ظل نظام العولمة الذي فتّت الدولة القطرية وأضعفها بشكل باتت الانتخابات فيها متأثرة إلى حد كبير بقوى خارجها أكثر بكثير من خيارات مواطنيها. وقال إن النظام الديمقراطي إنما صُمّم على مقاس الدولة القطرية تحديدًا ولإدارة الاجتماع ضمن حدود هذه الدولة، وقد بات الأمر غير ممكن تقريبًا ضمن الحداثة السائلة. ومن هنا خلص إلى طرح الاتحاد الأوروبي ككيان سياسي فوق قومي، يستطيع أن يكون بديلًا قويًا للدولة الضعيفة. وقد فتح هابرماس بهذه الطروحات نقاشات لا تزال مستعرة حول عمليات الانتخابات التي تجري في مختلف الدول بتمويل خارجي، من تسمية المرشحين في مستوى المحافظات والمناطق والانتخابات داخل الأحزاب، حتى انتخاب البرلمانات ورؤساء الحكومات والدول. مثل هذه التدخلات لم تعد تتم في الخفاء. فمن الواضح الاستثمار الأميركي الإسرائيلي المشترك في انتخابات دول أميركا اللاتينية وامتداد سلطة مراكز المال إلى الانتخابات في شرق آسيا وشرق أوروبا أيضًا. هذا ناهيك عن توظيف وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي في حرف الرأي العام أو تصميمه في العمليات الانتخابية من خلال منصات ومضامين لكيانات افتراضية تشارك بقوة في الحملات الانتخابية أو في تعطيلها أو ضرب احتمالات هذا المرشح أو ذاك.
اعتبر البعض حملة زهران ممداني عمدة نيويورك الذي انتُخب منذ ستة أشهر تصحيحًا لمسار أزمة الديمقراطية التمثيلية، كونه تنازل مسبقًا عن تمويل مراكز المال والشركات الكبيرة واعتمد بشكل كامل على تمويل الناخبين المباشرين على نسق "مبالغ مالية محدودة من أكبر عدد ممكن من الناس". هذا ناهيك عن اعتماده على لقاء الناس بشكل مباشر في مواقعهم وأحيائهم وعدم الاكتفاء بمخاطبتهم عبر وسائل التواصل والاتصال والمنصات المركزية. شكل آخر للتصحيح نجده عند حزبين في بريطانيا: حزب الخضر في طوره الجديد، ويعتمد هو أيضًا على التمويل المباشر من الأعضاء والمناصرين ورفض كل تمويل من شركات أو أساطين المال. والأمر ذاته فعله حزب جيرمي كوربن الذي انفصل عن حزب العمال البريطاني وأسس حزب "Your Party" (حزبك) واعتمد الأسلوب الجديد في التمويل من جيوب أعضائه ومناصريه من عامة الناس، ورفض كل تمويل من مراكز الرأسمال والشركات ومن المؤسسات المالية التي عادة ما كانت تموّل حزبي المحافظين والعمال.
وهذا بالذات يقودنا إلى ظاهرة بارزة في أميركا وبريطانيا، حيث كانت مراكز الرأسمال والشركات الكبرى تدعم مرشحي الحزبين المتداولين على الحكم حتى تقلصت الفوارق بينهما، وظهرا كأنهما يعتمدان السياسات ذاتها داخليًا وخارجيًا كجزء من خدمة المموّلين لا الناخبين. وهو ما عجّل في ضمور هذه الأحزاب وظهور التيارين: الشعبوي من اليمين عبر حركات وأطر وأحزاب جديدة (انظر إلى الظاهرة في بريطانيا وأميركا)، وأحزاب اليسار التي تريد إعادة الحياة للديمقراطية عبر إشراك الناخبين والتواصل مع الجمهور بطرق غير تقليدية — ممداني في نيويورك وحزب الخضر في بريطانيا مثلًا. مثل هذه الظواهر موجودة في أقطار كثيرة عبر العالم الذي يشهد جهودًا لاستعادة الناس لمصائرها وقدرتها على التأثير الجدي على السياسات وعلى أنظمة الحكم. وقد رأينا في بعض البلدان ومن مدة طويلة ميلًا إلى تطوير أشكال الديمقراطية التشاركية عبر ضمان دور أكبر للناس في التدخل والتأثير، باستفتاءات رأي في قضايا تخصهم مباشرة أو تخص مناطق سكناهم، أو عبر استثمار تكنولوجيا الاتصالات لأخذ رأي الناس بالاعتبار في عمليات اتخاذ القرار. بمعنى أن هناك جهودًا في العالم بدأت تأتي ثمارها في حقل استعادة جوهر الديمقراطية عبر تطوير نماذج جديدة للمشاركة السياسية وتنظيم المجتمع. بالمقابل، هناك من يقول إننا في زمن ما بعد الديمقراطية، وعلى البشرية أن تجترح نموذجًا جديدًا لإدارة الاجتماع البشري. يتضح أن أزمة الديمقراطية التمثيلية إنما هي أزمة الاجتماع الذي سيظل مشغولًا لعقود في صياغة نموذج جديد في وضع السيولة الفائقة.