X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أراء حرة
اضف تعقيب
19/09/2026 - 05:28:40 pm
الفاشية تُلغي كلّ اعتبارات المُقاطعة - بقلم:مرزوق الحلبي

الفاشية تُلغي كلّ اعتبارات "المُقاطعة"

بقلم:مرزوق الحلبي

لا أرى أي مبرّر مقنع لأيّ نوع من المقاطعة في ظروف كهذه تغيّرت فيها وظائف السياسة، لا سيّما الانتخابات. لقد ألغت الفاشية بممارساتها كلّ اعتبارات المقاطعة على أشكالها...

في ظلّ الفاشيّة والإبادة تتغيّر وظائف السياسة. يبدو غريبًا أن تظلّ هناك سياسة أصلًا. لكنها هنا. وهي مختلفة في المجتمع الإبادي عنها عند الشعب الذي يتعرّض للإبادة ويواجه الاقتلاع والعنصريّة والعنف يومًا يومًا وساعةً ساعة. أقول هذا للتأكيد أن السياسة العربيّة في البلاد ليست السياسة الإسرائيليّة، وإن جرتا في الساحة نفسها وفي الجولة الانتخابيّة ذاتها. ولو لأنهما تقفان على طرفي نقيض. فالإسرائيليّة تُريد تكريس واقع استعماريّ فاشيّ، على ما يعنيه ذلك من ممارسات، بينما تسعى السياسة العربيّة الفلسطينية إلى استثمار آلية الاقتراع لمواجهة السياسة الإسرائيلية على تيّاراتها، وهي متفاوتة في تمسّكها بمبدأ التفوّق اليهودي. وأنا على اعتقاد أن الأمور اتخذت شكل التناقض منذ تمّ اغتيال يتسحاق رابين، ونهاية فكرة الدولتيْن، وانتقال مجتمع الثكنة الإسرائيلي إلى وضعية حسم المسألة الفلسطينية بالعنف، وصولًا إلى الإبادة.

من هنا لا تقنعني ادّعاءات المُقاطعين للانتخابات، على اختلاف مشاربهم، بمن فيهم المقاطعون مبدئيًا - كما اصطلحنا على القول. لأن معظمها، إن لم يكن كلّها، مأخوذ من زمن مضى وانقضى، ومن اعتبارات الحقبة التي كانت غاية السياسة فيها تحقيق فكرة التسوية عبر تقاسم الأرض. وهي حقبة اتّسمت، أيضًا، بوجود شبكة أمان وهامش عمل يُتيح خيارات عدّة للفرد والجماعة، بما فيها المُقاطعة، بيد أنها لم تعد موجودة. بل إن حالة الطوارئ التي تتمّ فيها الأمور كلّها، وليس الانتخابات وحدها، تُلزم واحدنا بالتفكير من جديد في كل شيء: في قناعاته وفرضيّاته، بما فيها المشاركة السياسيّة أو المقاطعة. في ظلّ الإبادة تسقط كثير من ادعاءاتنا الدفاعيّة عن مواقفنا المتقادمة.

فالأمور أكثر وضوحًا الآن بما لا يُقاس. فأصحاب مشروع الإبادة في غزّة صريحون في إعلان نواياهم بأنهم سينقلون المشروع إلى الضفّة وإلى قلب فلسطين. وقد رأينا التجربة في مجد الكروم، ومن قبل في "المدن المشتركة"، حيث أقيمت بؤر استيطانيّة باسم التوراة.

الجديد أن الفاعلين يريدون أن يفعلوا ذلك بكلّ ثمن. حالة تبعث على القلق وعلى الخوف الوجوديّ الفرديّ والجمعيّ. وهذا هو الشعور الطبيعيّ في هذه الحالات. كأن نخاف من حرب أو حريق أو أذى. ليس في الحديث عن الخوف عند الناس في هذه الحالة أي نقيصة. وليس في الادّعاء أن تصويت المواطنين العرب بمعدلات عالية يُربك اليمين الفاشي ويضع عصا في دواليبه أي مبالغة.

على الجهة المقابلة، نُخب عربيّة ليست في أبهى صورها تُحاول أن تهيّئ شعبها لكلّ طارئ من خلال السياسة الضيّقة الحدود، ومن خلال الانتظام والتعاضد وتعزيز الوحدة. وأعتقد أن "المُشتركة الثلاثيّة"، كما هي، الأقرب في تمثيل أهلنا في هذا المسعى. وهي الأكثر فهمًا للحالة ومتطلّباتها. فإذا كانت الفاشيّة صريحة في استهدافك، فما الذي ستجنيه من الجلوس في البيت؟ أو إذا كانت الفاشية تقول لك أصلًا: أنا لا أريدك أن تصل إلى صناديق الاقتراع، ولا أن تنتخب ممثليك، ولا أن تبني لنفسك إرادة جامعة، فما الطائل من التنظير عن المقاطعة؟ سأدّعي أن أضعف الإيمان في هذه الحالة هو أن يُشارك الفرد منّا مُجتمعه في استعمال آلية قليلة الكلفة لتعطيل مشروع الفاشيّة، ولو من خلال الاقتراع الذي لا يُريدون لي أن أشارك فيه! سيفعل اليمين الفاشي كلّ شيء كي يقمع المصوّتين العرب، كي يضرب ممثليهم، كي يعطّل عمليّة الانتخاب في صناديقهم، كي يفتعل حربًا فلا تتمّ الانتخابات، ليس لأن تصويتهم أو عدم تصويتهم لا يؤخّران ولا يُقدمان، وليس لأن الصوت العربي غير مهمّ، كما يزعم بعض المقاطعين العبثيين، بل لأن الصوت العربي في غاية الأهميّة، ويُمكنه أن يصنع الفارق.

لقد خسرنا ورقة انتخابيّة عندما انشقّ منصور عباس عن الصفّ، وأدار ظهره لمجتمعه، وذهب متوسّلًا إلى مجتمع الثكنة كي يرضى عنه، ولم يرضَ! لقد خسرنا، كجماعة، ورقة في هذه الخطوة المغامرة، يُضاف إليها الموقف الداعي إلى المقاطعة، وإن كان خسارة أصغر حجمًا، تستطيع القائمة الثلاثيّة أن تقلّصها إلى الحدّ الذي لن نشعر به في ختام يوم الانتخابات.

كان سيكون للمقاطعة أثرها لو أننا نمارسها في وضع كان التصويت العربي يُستعمل لكسب شرعية للدولة حديثة العهد في المجتمع الدوليّ. لكن ليس لها أي أثر إيجابيّ في وضع الفاشية التي تستقتل كي تحرم الناخب العربي من فرصته الأساسيّة في أن يعترض. وهو استقتال يأتي في إطار سياسات المحو والتغييب والترحيل والاقتلاع، أليس للمقاطع ما يقوله في هذا الشأن؟ أليس من الأجدر أن نحاول الحضور في مكان يريدون لنا فيه أن نمّحي ونغيب؟ أليس من الأوجب سياسيًّا وأخلاقيًّا وتجاه أنفسنا أن نقف مع مجتمعنا وشعبنا ومع روايته، ونسهم بقسطنا في بناء إرادته، وفي هذا الظرف بالتحديد؟ أنا شخصيًّا ليس لي قفا خنزير أديرها لشعبي في الشدائد.

لا أرى أي مبرّر مقنع لأيّ نوع من المقاطعة في ظروف كهذه تغيّرت فيها وظائف السياسة، لا سيّما الانتخابات. لقد ألغت الفاشية بممارساتها كلّ اعتبارات المقاطعة على أشكالها، ومنها تلك الخصومات الصبيانية أو فائض الطهرانيّة ذاك، خاصة إذا اعتبرنا الاقتراع نُصرة لنفسي ولشعبي، وليس خطوة ذات معانٍ ودلالات أكبر من ذلك. في الفاشيّة تكون مهمّة ضحاياها أن يخلقوا لهم إرادة سياسيّة جامعة، ليس كي يحصلوا على ميزانيات، كما يريد منصور عباس وهمًا، بل كي يواجهوا مصيرهم بشرف.

قصف خيام النازحين في غزة (Getty)


Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت