X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أراء حرة
اضف تعقيب
06/10/2026 - 02:34:27 pm
مقال: التغافل يطفئ شرّا كثيرًا

مقال: التغافل يطفئ شرّا كثيرًا

إعداد الشيخ عبد الله عياش- عضو حركة الدعوة والإصلاح

تتعدد علاقات الإنسان بالناس من حوله، ما بين قرابةٍ وجوارٍ وعملٍ وغير ذلك، وبعض هذه العلاقات تطول وتمتد أعوامًا وسنين، ومع الاحتكاك الدائم والمعاملة المستمرة، تقع الزلات وتحدث الهفوات، وهذا أمر لا انفكاك عنه، وشرّ لا بد منه، فالناس بشر يصيبون ويخطئون، ولذلك؛ كان لا بد لهذه العلاقات من "جهازٍ" يمتصّ الصدمات، ويخفف الكدمات، لتبقى العلاقة وتطول، وإلا فإنها لا محالة تفنى وتزول.

ولعل هذا الجهاز هو صفة التغافل، ويُقصد بها: التجاوز والتغاضي عن بعض الأخطاء، وقد جاءت الإشارة إلى هذا الخلق في القرآن الكريم في سورة التحريم في قصة حدثت بين النبي ﷺ، وبعض أزواجه وفيها يقول الله تعالى: {وإذ أَسَرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبّأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض} [التحريم: 3]، أي: أعرض عن بعضٍ تغافلًا منه وترفعًا، قال ابن جُزيّ الغرناطي في تفسيره: "أي عاتب حفصة على بعضه وأعرض عن بعض حياء وتكرّمًا، فإن من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات والتقصير في العتاب".

هذه الصفة -من غير مبالغة- هي طوق النجاة لكثير من العلاقات، فكم من مشكلة بين زوجين أو صديقين أو جارين، وصلت إلى خصام دائم وقطيعة أبدية، وبعد بحث وتمحيص تبيّن أن أساسها موقف سيارة بين جارين! أو ملوحة طعامٍ بين زوجين! أو كلمة غير مقصودة من صديق! أو غير ذلك مما يترفع الإنسان عن ذكره! وما أصدق ما قاله التابعي الجليل سليمان بن مهران الأعمش: التغافل يطفئ شرًا كثيرًا!

أخي القارئ: بدون هذه الصفة لا يمكن أن يهنأ لك عيش، ولا أن يصفو لك ود، ولا أن تدوم لك علاقة مع أحد! وشرُّ الناس مَن لا يقيل عثرةً، ولا يقبل عذرًا، ولا يغفر ذنبًا .. كان سيدنا أبو الدرداء يقول لزوجته: "يا أم الدرداء، إذا غضبتُ فرضيني، وإذا غضبت رضيتك، فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق"، وفي هذا يقول الشاعر كُثيّر عزة: 

ومن لا يغمّض عينَه عن صديقه ** وعن بعض ما فيه يَمُت وَهْوَ عاتبُ

 ومن يتتبع جاهدًا كلّ عثرةٍ ** يَجِدْها ولا يَسلَم له الدّهرَ صاحبُ

بل إن هذا الخلق يدل على أدبٍ وسموّ، وكرمٍ ورقيّ، لا تجده في الناس إلا نادرًا، ومن طريف ما يروى في هذا الباب ما ذكره الخطيب البغدادي عن الحسن بن عليّ الدقّاق، قال: جاءت امرأة إلى الزاهد الورع حاتم بن عنوان، تسأله عن مسألة، فاتفق أن خرج منها صوت وهي عنده؛ فخجلت وانقبضت! فقال لها حاتم: ارفعي صوتك! فأوهمها أنه لم يسمع السؤال ولم يسمع الصوت؛ فسُرّت المرأة بذلك. ومن يومها لُقّب بحاتم الأصمّ!

وهذه الصفة في الحقيقة تلزم أكثر ما تلزم المسؤولين والمديرين والرؤساء، ولذلك قيل:

       ليس الغبي بسيد في قومه ** لكن سيد قومه المتغابي

فالغبي لا يصلح أن يكون سيدًا، ولكن المتغابي يصلح أن يكون وينجح، والمقصود بالمتغابي: الواقعي المتسامح، واسع الصدر، شديد الإدراك لطبائع الناس، يتجاهل أحيانًا وهو عالم، ويتحالم وهو غاضب، ويتناسى بعض الزلات بسياسة وحكمة.

 

كما رُوي عن صلاح الدين الأيوبي أنه كان جالسًا مرة وعنده جماعة، فترامى بعض المماليك بنعلٍ فوصلت إليه ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه، وكأنه لم يرها!

ودخل رجل على الأمير المجاهد قتيبة بن مسلم الباهلي يكلمه في حاجة، ووضع نصل سيفه على الأرض، فجاء على إصبع رجلِ الأمير! وجعل يكلمه في حاجته وقد أدمى النصلُ إصبع الأمير، والرجل لا يشعر، والأمير لا يظهر ما أصابه، وجلساؤه لا يتكلمون هيبة له!! فلما فرغ الرجل من حاجته وانصرف، دعا قتيبة بمنديل فمسح الدم من إصبعه وغسله، فقيل له: ألا نحَّيت رجلك أصلحك الله! أو أمرت الرجل برفع سيفه عنها؟! فقال: خشيت أن أقطع عنه حاجته!

ولله درّ القائل:

سامِحْ أخاكَ إذا خلَـطْ ** منهُ الإصابَةَ بالغلَـطْ وتجافَ عنْ تعْنـيفِـه ** إنْ زاغَ يومًا أو قسَطْ واعْلَمْ بأنّـكَ إن طـلـبْـ ** ـتَ مهذَّبًا رُمتَ الشّطَـطْ منْ ذا الذي مـا سـاء قـ ** ـطُّ ومنْ لهُ الحُسْنى فقـطْ

 أوَمَا تَرى المَحْبـوبَ والـ ** مَكروهَ لُزّا فـي نـمَـطْ كالشّوْكِ يبْدو في الغُصـو ** نِ معَ الجَنيّ المُلتَـقَـطْ ولوِ انتقَدْتَ بَنـي الـزّمـا ** نِ وجَدتَ أكثرَهُم سقَـطْ

عبد الله عياش


Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت